التعلم السمعي من المهد إلى اللحد

جاءنا دليل جديد يؤكد أن رحلة تعلم الإنسان تبدأ وهو في بطن أمه وليس من مقاعد الدراسة! فقد انضمت دراسة جامعة «هلسنكي» الفنلندية، قبل أيام، إلى دراسات سابقة أكدت أن الجنين يتذكر الكلمات التي يسمعها وهو في رحم أمه. وعكف هؤلاء العلماء على تجارب عملية ذكروا فيها كلمات محددة للأجنة مثل ترديد كلمات «تاتاتا» وكلمة «توو» آلاف المرات، ثم اكتشفوا أن الجنين قد تفاعل مع هذه الكلمات لاحقا حينما أصبح طفلا! أما أولئك الذين لم يسمعوا تلك الكلمات فلم يتفاعلوا معها.
هذه التجربة تؤكد أن رحلة التعلم السمعي لدى الإنسان تبدأ من مهده إلى لحده. فبحسب الدراسة فإن النتائج تعد «مؤشرا على تعلم اللغة بشكل مبكر جدا». واللافت أن أول حاسة من الحواس الخمس التي تتشكل للإنسان في بطن أمه هي حاسة السمع. وكأن الخالق عز وجل يهيئ هذا المخلوق الجديد لرحلة التعلم التي هي في الأصل سمعية وليست كتابية. فمعظم ما تعلمناه في حياتنا جاء عن طريق الاستماع إلى الآخرين ومنهم المعلمون في المدارس. والمتأمل لبدايات التعلم في حياتنا سيلاحظ أننا تعلمنا تعلم القراءة والكتابة في الأصل عبر الاستماع في الفصل الدراسي.
ولا بد من توضيح أن السمع شيء والاستماع شيء آخر؛ لأن الأول حاسة فطرية، والثاني مهارة لا تتطور مع مرور الزمن إلا برغبة صادقة من الفرد في تطوير ذاته. وهذا ما يجعل هناك منصتين جيدين لديهم حصيلة كبيرة من المعلومات، وهناك ثرثارون تفوتهم درر المتحدثين. كما أن مهارة الاستماع التي يقوم على أساسها التعلم السمعي هي التي نتعرف من خلالها على أخطاء الآخرين ونصائحهم وتوجيهاتهم وتذمرهم وإعجابهم وفرحهم وغضبهم، فهذا كله صور من صور التعلم الشفهي في الحياة. والأمر لا يقتصر على الفرد، بل حتى الحكومات تتعمد أحيانا إطلاق «بالونات اختبار» أو تسريبات إلى وكالات أنباء عالمية أو محلية لتستمع إلى ردود فعل الناس لتقيسها ثم تنفي الخبر أو تؤكده أو تمضي قدما بقرارها ضاربة بردود الفعل عرض الحائط!
والتعلم السمعي يثنينا أحيانا عن اتخاذ قرار ما أو تأجيله بسبب توصلنا إلى معلومة جديدة لم تكن بالحسبان. وهذه الثمرة لا نقطفها إلا بالاستشارة والتروي وعدم الانفراد بالرأي. وتنجح بعض المعلومات المنغصة التي نسمعها في تعكير صفو مزاجنا، في حين تنجح أخرى سارة في رسم البسمة على شفاهنا. مثل ذلك المسؤول الأميركي الذي همس في أذن الرئيس بوش الابن ليخبره بخبر القبض على صدام حسين في حفرة بالعراق فصار وجه الرئيس هاشا باشا أمام عدسات الكاميرا. ولأن الأذن مصدر معلومات كثيرة، ومفسرة لانفعالات من حولنا، فلا بد أن نخصص يوميا جزءا من وقتا للحديث مع صاحب علم أو خبرة أو منصب رفيع لنتعلم منه ما لا يمكن أن تسطره لنا الكتب وساعات العمل الطويلة. فكم من قرار اتخذناه في حياتنا كان مرجعه معلومة تعلمناها في حوار شفهي غير متوقع.

التعلم السمعي من المهد إلى اللحد | محمد النغيمش | aawsat.com/leader.asp?sec