جوالات و تكنولوجيا

التواصل الاجتماعي حالياً.. وجهاً لوجه أم عبر الشاشات؟

الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه، فهو فُطِر على العيش ضمن المجموعة وعلى التفاعل معهم، وبالتالي لا يمكنه أن يعيش وحيداً منعزلاً.

بغض النظر عما إذا كانت العلاقات الاجتماعية مريحة أو غير مريحة فإن الإنسان يحتاج للتواصل كما يحتاج للطعام والشراب. 

ولكن تأثير التواصل يتجاوز التأثير النفسي والاجتماعي ليطال الجانب الصحي، وحتى متوسط العمر المتوقع لكل شخص؛ فجميع الدراسات أكدت أن التواصل الاجتماعي الصحي يطيل العمر، ويقلل من نسبة الإصابة بالأمراض.  

التواصل الاجتماعي «وجهاً لوجه»

بطبيعة الحال التواصل الاجتماعي ليس دائماً تجربة جميلة، فالبشر أنواع، وأحياناً التواصل قد يكون مصدراً للإزعاج والإنهاك النفسي، ولكن مهما كان شكله فهو مهم وأساسي في تشكيل شخصية الفرد. 

التواصل «وجهاً لوجه» هو أساس تركيبة المجتمعات؛ لأن حياة كل شخص تعتمد على الآخر حالنا حال النمل التي إن عُزلت عن مجتمعها ماتت؛ فالعلاقات المختلفة سواء  المالية أو الفكرية تجعلنا أشبه بوحدات تعتمد على بعضها بعضاً، فنحن نتبادل المعلومات والآراء والأفكار والخبرات والمشاعر من أجل وظائف مختلفة بعضها بسيط وبعضها معقد.  

فوائد التواصل والتفاعل -كما قلنا- نفسية وعقلية وفكرية، وهي حاجة لا يمكن الاستغناء عنها.

التواصل الافتراضي 

ثم جاءت التكنولوجيا وبدلت مفهوم التواصل كلياً؛ فهي خلقت شعوراً ملحاً وحاجة ماسة بضرورة المشاركة بكل شيء. البشر يتغيرون ببطء، ولكن التكنولوجيا تتغير بسرعة، وعليه كان هناك ما يشبه «الضرورة» للحاق بها.

لو عاد أي شخص بالذاكرة خمس سنوات مضت وحاول تذكر نوعية الجلسات التي يمضيها مع زوجته أو مع عائلته؛ لوجدها بالتأكيد كانت مختلفة كلياً عما هي عليه اليوم. 

الأمر لا يتعلق بممارسات فحسب؛ فالعلماء أكدوا منذ العام ٢٠١٢ أن الأشخاص الذين يستخدمون التكنولوجيا بشكل دائم يملكون روابط غير طبيعية بين أعصاب الألياف في الدماغ، وهي مماثلة تماماً للتغيرات التي تحصل عندما يكون الشخص مدمناً. 

هذه التغيرات تؤثر في آلية التواصل بشكل مباشر وفي التفاعلات اليومية بين الأشخاص، ولكن النقطة الأساسية هنا هي أن التجارب ليست جديدة، هي نفسها تجارب حياتية نعيشها منذ الأزل، ولكنها تعرض وتناقش ويتم التواصل حولها بقالب مختلف. 

بعض أوجه الاختلاف

سابقاً كانت هناك ما يسمى «خصوصية»، ولكننا حالياً نعيش عصر اللا خصوصية، ومع ذلك يُجن جنون مستخدمي مواقع التواصل حين يكتشفون أن معلوماتهم الشخصية «مكشوفة». كل شخص بات بكل بساطة يتعامل مع نفسه كما لو كان شخصية شهيرة؛ وبالتالي يزود «جمهوره» بصوره وأخباره. 

التبدل الآخر يطال عدداً من الأشخاص الذين يمكن التواصل والتفاعل معهم، وهذه النقطة إيجابية وسلبية في الوقت عينه. فهي فتحت أمام الشخص الواحد مجالات للتواصل بشكل مباشر مع مئات الأشخاص، ولكن التواصل هذا يمكنه أن يخلق الكثير من مشاعر التوتر والقلق في الوقت عينه. 

وسائل التواصل الحديثة ليست سيئة؛ فهي تملك الكثير من النقاط الإيجابية؛ فهي سرَّعت وسهَّلت عملية التواصل وجعلت الحياة أسهل مما كانت عليه، فغالبية الأمور يمكن حلها بكبسة زر. 

ولكن التغير الأساسي والمهم جداً هو أن وسائل التواصل الحديثة، وخصوصاً مواقع التواصل، خلقت ما يسمى التواصل الفج؛ فلم تعد هناك مراقبة للذات، وعليه تبدلت اللغة والنبرة وأسلوب التخاطب. الشخص الذي يجلس خلف جهاز الكمبيوتر أو خلف هاتفه تخلص كلياً من «الفلتر» الكلامي؛ فلا رقابة على الذات ولا اكتراثاً لردات الأفعال. وهذه النقطة إيجابية وسلبية في الوقت عينه؛ فهي وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي من دون قيود، ولكنها في المقابل ليست من دون عواقب.

التكنولوجيا بشكل عام غيرت طريقة تواصلنا؛ لأننا فقدنا بعضاً من المهارات الإجتماعية، فحالياً هناك بعض الأشخاص الذين لا يمكنهم الانخراط في تواصل «فعلي» بشكل فعال؛ وذلك بسبب الاعتماد الكبير على التواصل الافتراضي.

جيل الألفية غير معني بهذه التغييرات

عند الحديث عن تغييرات في وسائل التواصل فإن هذه النقطة لا تنسحب على جيل الألفية؛ فهذا الجيل ولد في عصر وسائل التواصل فيه مختلفة عما كانت عليه سابقاً، إذ إن «المقاربات التقليدية» للتواصل بالنسبة إليه أمر يُسمع عنه من ذكريات الأهل.

 الجيل هذا حدد آلية التواصل الحالية، والجيل الذي يليه سيحدد آليات لعلها قد تكون مختلفة بدورها؛ فجيل الألفية -مثلاً- لا يستخدم الهواتف للمكالمات الهاتفية، والسبب هو أنه  تربى على مبدأ التواصل النصي سواء من خلال مواقع التواصل، أو إرسال الرسائل النصية عبر الهواتف أو البريد الإلكتروني؛ وذلك لأن مفهومهم للتواصل الفعال هو أن تتم الأمور بسرعة، ولكن لن تمنحهم في الوقت عينه الوقت للتفكير بما يقولونه. التواصل النصي يجعلهم يشعرون براحة أكبر، كما أنه يجعلهم أكثر دقة؛ لأنهم يراجعون مراراً وتكراراً ما تمت كتابته.

مشكلة المكالمات الهاتفية مع هذا الجيل هي أنها مقاطعة وإزعاج لمسار يومهم؛ أي أنها فعل يتم فرضه عليهم، بينما التواصل النصي يسمح لهم بالاطلاع والرد ساعة يشاؤون.

في مقارنة بين جيل إكس «جيل الستينيات وأوائل الثمانينيات» وجيل الألفية «جيل أواخر الثمانينيات والألفين» فإن الأول يعتمد على الرسائل النصية بنسبة ٤٧٪، بينما الثاني يعتمد عليها بنسبة ٦٨٪؛ فهي تمنحهم السيطرة على توقيت الاطلاع والرد عليها، كما أنها توفر عليهم عناء القيام بردود أفعال مباشرة، كما هي حال المكالمات الهاتفية، أو حتى المحادثات الشخصية وجهاً لوجه.

المصدر: sayidy.net

الزوار أعجبهم أيضاً:

مواضيع قد تهُمك: