المصريون كان لديهم الحل ثم تركوه.. ارتفاع الحرارة: المشكلة الكبيرة القادمة المتعلقة بعدم المساواة بين الفقراء والأغنياء

محتوى المقال

تهدد البشرية، والفقراء معرضون للموت طهياً.. وهذه المنطقة لن تصلح للحياة

عربي بوست، ترجمة

كانوا ينامون كالسمك المدخَّن على سيخ، بينما كان كبار الشخصيات بجوارهم ينامون بزنازين مكيفة، فحتى الحرارة تُميِّز بين الغني والفقير. ففي كل مكان في العالم الأشخاص الأقل دخلاً سيعانون من التغير المناخي العالمي أكثر من غيرهم، ولكن يبدو أن الطوفان سيضرب الجميع رغم هذه التفرقة.

عندما ضربت موجة الحر مقاطعة كيبيك الكندية، في شهر يوليو/تموز 2018، وأسفرت عن مقتل أكثر من 90 شخصاً خلال ما يزيد على أسبوعٍ بقليل، أظهرت أشعة الشمس الشديدة الفروقات بين الأغنياء والفقراء في أوضح صورة، حسب وصف تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

فبينما كان سكان مونتريال الأغنياء نسبياً يتنعّمون في المكاتب والبيوت المكيفة، عانى السكان المشرَّدون في المدينة، الذين لا يُرحَّب بهم عادة في المساحات العامة، مثل مراكز التسوق والمطاعم للهرب من حرارة الجو.

الأجساد تحلَّلت بعد موتها  

لم يكن Benedict Labre House، وهو مركز رعاية نهارية للمشرّدين بمدينة مونتريال، قادراً على تأمين وحدة مكيفة متبرع بها إلا بعد 5 أيام من بدء موجة الحر. وقالت فرانسين نادلر، المنسقة الطبية بالمنشأة: «يمكنك أن تتخيل عندما يكون لديك 40 أو 50 شخصاً في مساحة مغلقة والجو حار. يصعب التعامل للغاية مع هذا الأمر».

لقي 54 من سكان مونتريال حتفهم الصيف الجاري بسبب الحرارة، ولم تحدد السلطات حتى الآن ما إذا كان أيّ من المشردين بين من لقوا حتفهم، لكن بحسب الإدارة الإقليمية للصحة العامة، فإنَّ أغلبيتهم كانت أعمارهم فوق الخمسين ويعيشون وحدهم، وكانوا يعانون من مشكلاتٍ صحية بدنية أو عقلية، ولم يكن لدى أيٍّ منهم مكيف هواء.

وقال جان بروشو، قاضي التحقيق بالوفيات في مونتريال، للصحافيين، إنَّ الكثير من الأجساد التي فحصها فريقه «كانت في حالة متقدمة من التحلل، بعد أن أمضت أحياناً ما يصل إلى يومين في الحر قبل اكتشاف الجثة».

خطر حتمي على الجميع ولكن الفقراء أكثر تضرراً

كان الفقراء والمعزولون هم من عانوا في صمت من الحرارة أكثر من غيرهم، وهو موقف تكرَّر في المدن شديدة الحرارة في العالم.

ففي الولايات المتحدة، يكون العمال المهاجرون أكثر احتمالاً بثلاث مرات للموت جراء التعرض للحرارة عن المواطنين الأميركيين.

وفي الهند، حيث من المتوقع أن تصل المعدلات الصيفية القصوى في 24 مدينة إلى ما لا يقل عن 35 درجة سلزيوس بحلول عام 2050، يكون سكان الأحياء الفقيرة الأكثر عرضة للخطر. ومع ارتفاع خطر التعرض المطول للحرارة العالية باضطراد، تزداد المخاطر المرتبطة بالكوارث البشرية.

يهرب الناس من الحرارة إلى حمامات السباحة والشواطيء

وتوقع باحثون من ولاية هاواي الأميركية، العام الماضي 2017، أنَّ نسبة سكان العالم المعرضين للحرارة المميتة لما لا يقل عن 20 يوماً في السنة على الأقل سوف ترتفع من 30% الآن إلى 74% بحلول عام 2100، لو سمح لانبعاثات الغازات الدفيئة بالزيادة. (سوف ترتفع النسبة إلى 48% فقط في حالة تحقيق «انخفاضٍ جذري في الانبعاثات»).

وخلصوا إلى أنَّ «الخطر المتزايد على الحياة البشرية من الحرارة الزائدة يبدو الآن حتمياً تقريباً».

أكثر الأعوام حرارة.. والمدن أينما وجدت ستكون أكثر تأثراً

«الموت من موجات الحرارة يشبه الموت طهياً ببطء»، حسب وصف كبير مؤلفي البحث البروفيسور كاميلو موران في وقت نشر البحث.

ويضيف: «هذا محض عذاب. والصغار والمسنون هم أكثر من يتعرضون لهذا لخطر، لكنَّنا وجدنا أيضاً أنَّ هذه الحرارة يمكن أن تقتل الجنود والرياضيين والجميع».

ومن المتوقع أن يكون عام 2018 من بين أكثر الأعوام حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة، مع درجات حرارة قصوى غير مسبوقة تكتسح الكوكب، بدءاً من 43 درجة في باكو بأذربيجان، إلى أوائل الثلاثينيات في الدول الإسكندنافية.

في حين لم ينخفض مؤشر الحرارة في كيوتو باليابان عن 38 درجة لأسبوعٍ كامل. وفي الولايات المتحدة ضربت موجة رطبة حارة مبكرة غير معتادة في شهر يوليو/تموز 2018، ووصلت إلى 48.8 درجة سلزيوس في شينو بداخل لوس أنجلوس. وفتح السكان مكيفات الهواء على طاقتها القصوى إلى حد التسبب في انقطاعاتٍ في الكهرباء.

ولكن لماذا تزداد معاناة المناطق الحضرية عن الأرياف؟

تصل المناطق الحضرية إلى درجات الحرارة القاتلة هذه أسرع من المناطق الأقل سكاناً. ذلك أنَّ المدن تمتص الحرارة وتخلقها وتشعها.

فالأسفلت والطوب والخرسانة والأسطح الداكنة تعمل مثل الإسفنج، فتمتص الحرارة خلال اليوم وتبث الدفء ليلاً.

المدن تمتص الحرارة وتخلقها وتشعها

ويعتبر مكيف الهواء منقذاً لحياة من يستطيعون توفير ثمنه، لكنَّه يجعل الشوارع أكثر حرارة على أولئك الذين لا يستطيعون.

وحذَّر تقييم للحكومة الأميركية قائلاً: «الجزر الحرارية الحضرية، مصحوبة بزيادة سن السكان وزيادة التمدن، من المتوقع أن تزيد من هشاشة سكان الحضر، لا سيما الفقراء منهم، أمام التأثيرات الصحية المرتبطة بالحرارة في المستقبل».

وهذه المنطقة المكتظة من العالم ستتجاوز حدود البقاء الإنساني

وتقول منظمة الصحة العالمية إنَّ 60% من الناس سوف يعيشون في المدن بحلول عام 2030، وكلما زادت كثافة سكان المدن زادت حرارتها.

وبالنظر إلى تحذير التوقعات الأخيرة من أنَّ درجات الحرارة في جنوب آسيا سوف تتجاوز حدود البقاء الإنساني بنهاية القرن، فإنَّ كل درجة مهمة.

وحتى هذا العام، مات حوالي 65 شخصاً من درجة حرارة اقتربت من 44 درجة سلزيوس في كراتشي بباكستان، وهي مدينة معتادة على درجات الحرارة المتطرفة.

ولكن مع ازدياد عدد المدن الحارة في جنوب آسيا، فإن العلماء والاقتصاديين يحذرون من خطر أبعد مدى: فالحرارة الشديدة تدمر الصحة وسبل العيش لعشرات الملايين الآخرين.

ويقولون إنه إذا استمرت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية في وتيرتها الحالية، فإن مستويات الحرارة والرطوبة قد تصبح غير محتملة، خاصة بالنسبة للفقراء.

في الواقع، وجد تحليل حديث للاتجاهات المناخية في العديد من المدن الكبرى في جنوب آسيا، أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية للاحترار، بحلول نهاية هذا القرن، فإن درجة الحرارة والرطوبة ستكون مرتفعة بحيث لن يتمكن الأشخاص الذين يتعرضون مباشرة للشمس لمدة ست ساعات أو أكثر من البقاء على قيد الحياة، بحسب ما ورد في تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

وحتى الأشجار متهمة بالتمييز العنصري

لكنَّ هذا الأثر غير موزع بالتساوي. فعلى سبيل المثال، ثمة علاقة قوية بين المساحات الخضراء في منطقة ما وغنى هذه المنطقة، إذ بإمكان الظل الناتج عن الأروقة الخضراء خفض درجات الحرارة القصوى للأسطح بمقدار 11 إلى 25 درجة مئوية، ولهذا تصبح «المناظر الطبيعية عاملاً من عوامل توقع خطورة موجات الحرارة»، وذلك بحسب طارق بن مارهنيا، الباحث في الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا بسان دييغو.

وكشفت ورقة بحثية شارك طارق في تأليفها حديثاً، أنَّ الناس الذين يعيشون في مناطق أقل خضرة يعانون خطر الموت المتصل بالحرارة بنسبة 5% أكثر من غيرهم.  

تزداد مأساة ارتفاع الحرارة مع الشعوب المعتادة على برودة الطقس

وفي عام 2017، كان الباحثون بجامعة كاليفورنيا ببيركلي قادرين على تحديد الانقسامات العرقية في الولايات المتحدة، حسب القرب من الأشجار. إذ كان السود أكثر احتمالاً بنسبة 52% من البيض في سكن المناطق ذات «الغطاء الأرضي غير الطبيعي المسبب للمخاطر المتعلقة بالحرارة»، بينما كان الآسيويون أكثر احتمالاً بنسبة 32% واللاتينيون بنسبة 21%.

ويكون تلوث الهواء أكثر فتكاً في هذه المناطق أيضاً، إذ تنتج أكاسيد النيتروز غاز الأوزون عندما تسخّنها حرارة الشمس، ما يؤدي لإشعال درجة حرارة الجو وزيادة خطر الموت. وقال طارق: «تزداد هذه المشكلات سوءاً بالنسبة للسكان الأكثر ضعفاً أو الأقل دخلاً، الذين يعيشون بالقرب من حركة المرور في مساكن رديئة بلا مكيفات هواء».

وكذلك مكيفات الهواء تعكس ظلماً اجتماعياً

لكنَّ مكيفات الهواء سوف تظل بعيدة المنال بالنسبة لعددٍ كبير من الناس، حتى مع كونها تصبح ضرورةً بمرور الوقت.

ففي 2014، أثارت وزارة الصحة العامة في إنكلترا المخاوف بأنَّ «توزيع أنظمة التبريد ربما يعكس ظلماً اجتماعياً اقتصادياً ما لم يجر دعمه بشكلٍ كبير».

وأضافت أنَّ ارتفاع تكاليف الوقود قد يزيد من تفاقم الوضع. وعندما نكون بحاجة لاستخدام طاقة أقل لتبريد الكوكب، لا منازلنا ومكاتبنا فحسب، فإنَّ الاعتماد على مكيفات الهواء لا يصلح خطةً واقعية طويلة المدى، وبالتأكيد لا يصلح للجميع.

لدرجة أن مدينة أميركية تحوز أبحاثاً حول الحرارة تعادل إفريقيا بأكملها

وقد ركزت معظم الأبحاث حول موجات الحرارة والصحة العامة على البلدان الغربية.

ويقول طارق إنَّ الدراسات التي أجريت في مدينة فينكس بولاية أريزونا الأميركية، أكثر من الدراسات التي أجريت في قارة إفريقيا بأسرها.

لكنَّ المشكلة عالمية، لا سيما في الأحياء الفقيرة في المدن كما هو الحال في عشوائيات القاهرة، حيث وصلت ذروة درجات الحرارة في فصل الصيف الذي يستمر 5 شهور في المدينة إلى 46 درجة سلزيوس.

والمصريون كان لديهم الحل ولكنهم تخلَّوا عنه وأصبحت عاصمتهم من دونه خانقة

في الماضي، كان المصريون يبنون بيوتاً منخفضة قريبة من بعضها، ما كان يشكِّل شبكاتٍ مكثفة من الحارات المظللة، حيث يكون بإمكان السكان الحفاظ على البرودة خلال الصيف.

لكنَّ البناء السريع للبنايات العالية وتناقص المساحات الخضراء جعل من القاهرة، التي تعد واحدةً من أسرع المدن نمواً في العالم، مدينة خانقة باستمرار، حسب تعبير The Guardian.

وأدى تخفيض الدعم إلى زيادة تكاليف الكهرباء بنسب تتراوح بين 18 و42%، ما أثر على الكثير من خيارات السكان الفقراء في التبريد.

يعيش حماد، عامل نظافة يبلغ من العمر 41 عاماً، مع أسرته في شقة صغيرة بحي مسطرد (شمالي القاهرة). وعلى الرغم من أنه يعتبر نفسه محظوظاً، إذ يعيش في الدور الأول الأبرد نسبياً، فإنه يقول: «كل شيء خانق في القاهرة».

والمعاناة تتضاعف بالنسبة للمحجبات

يستخدم حماد المراوح والماء للإبقاء على البرودة في الداخل، لكنَّ فاتورة الماء تزداد غلاءً. ويقول: «هناك دوماً فكرة النوم على الأرض، ونحن نرتدي ملابس قطنية. وتكون درجات الحرارة أصعب على النساء المحجبات في التعامل معها، لذا فأنا أخبر بناتي دوماً بأن يرتدين طبقتين فحسب، وأن يرتدين ألواناً فاتحة».

تزداد مشكلة حرارة الطقس مع النساء اللواتي تغطين شعرهن

وفي شبكة من المساكن الحضرية الضيقة في الجيزة (جنوب القاهرة)، يعيش ياسين العقبة، وهو موظف صيانة قطار يبلغ من العمر 42 عاماً، في بيتٍ مبني من خليط من الطوب والطوب اللبن.

وقال إنَّ البيت في شهر أغسطس «يصبح مثل الفرن. لديّ مروحة، وأضعها أمام طبق من الثلج كي تنشر الهواء البارد في الغرفة. وأرش المياه الباردة على جميع الملايات».

وحتى النساء لم ينجون من القيظ أثناء الولادة

أما في مدينة مانيلا الاستوائية بالفلبين، حيث تزيد درجات الحرارة العالية عن 30 درجة مضافاً إليها الرطوبة الخانقة، فإنَّ مكيفات الهواء رفاهيةٌ حتى لأولئك الذين يتلقون رعايةً طبية. ويقال إنَّ مستشفى Dr Jose Fabella Memorial لديها واحدة من أكثر ردهات الأمومة ازدحاماً في العالم، وقد أصبحت وسائل منع الحمل المجانية متاحة منذ وقتٍ قريب في هذا البلد ذي الأغلبية الكاثوليكية.

وتكلف غرفة مكيفة خاصة 650 بيسوس في الليلة الواحدة، وهو ما يساوي أقل من 10 جنيهات إسترلينية، لكنه يتجاوز بكثير إمكانيات معظم الحوامل، الذين ينتهي بهم المطاف في ردهات تعتمد على مراوح تأز بخفة على أعمدة الجدران.

وقالت ماريبيل بوتي، وهي ممرضة تعمل بالمستشفى منذ 28 عاماً: «تعمل هذه المراوح دون توقف 24 ساعة يومياً، لذا فإنها لا تستمر عاماً كاملاً قط».

ضاعف من هذه المشكلة هذا الاكتظاظ في أماكن الولادة: ففي جناح التوليد المعروف بكونه منشأ أزمة الزيادة السكانية في البلاد، أُجبِرَت 5 نساء على التشارك في سريرٍ واحد. وقالت بوتي: «يصبح الجو جحيماً في الصيف، وتنفخ المراوح هواءً ساخناً، وترى الأمهات يستخدمن مراوح ورقية لتبريد أنفسهن».

والمساجين ينامون كالسمك المدخن في كمبوديا

وفي كمبوديا، التي شهدت موجات حرارة مدمرة وجفافاً خلال السنوات الأخيرة، فإنَّ النجاة من الحرارة مسألة تعبر عن المكانة بالنسبة للسجناء كما هي بالنسبة للمدنيين.

ففي أوائل الألفية، أمضت تشاو صوفيا (30 عاماً) عامين في سجن بري سار في بنوم بنه بعد أن أُدينت بتهم تتعلق بالمخدرات، وهي تهم تنكرها صوفيا. في ذلك الوقت كانت حاملاً في شهرها الثالث. وكذا فقد أمضى طفلها عامه الأول في زنزانة مكتظة مخصصة للحوامل والأمهات الجدد.

الفقراء أكثر تأثراً بارتفاع الحرارة

وتحكي صوفيا اليوم: «كانت الغرفة كأنَّها غرفة بخار. كنتُ أستخدم مراوح من أوراق النخيل لتبريد طفلي. كان هذا ما استطعت توفيره. وكانت هناك حفرة صغيرة في الجدار، لكن هل يمكنك أن تتخيل مقدار الهواء الذي يمكنك استيعابه في مثل هذا المكان المزدحم؟ تقدمنا بطلب للحصول على مروحة كهربائية، لكنَها لم تأتِ قط».

وقال ناشط في مجال البيئة -طلب البقاء مجهول الهوية- إنَّه تشارك في زنزانة مساحتها حوالي 4 أمتار مربعة مع ما لا يقل عن 25 رجلاً آخر عندما احتجز في سجن للرجال العام الجاري 2018. وقال: «كنا ننام كالسمك المدخن على سيخ. لم يكن هناك تكييف ولا حتى مروحة».

غير أن كبار الشخصيات تمتعوا بزنازين مكيفة

لكن ربما يكون بإمكان الآخرين تأمين ظروف أحسن. إذ نص تقرير للرابطة الكمبودية للترويج والدفاع عن حقوق الإنسان يعود تاريخه إلى عام 2015 على أنَّ «بعض السجون قيل إنها تشتمل على زنازين لـ(كبار الشخصيات) مخصصة للسجناء أصحاب العلاقات القوية، أو أولئك القادرين على دفع تكاليف الإقامة في زنزانة منفردة»، ويعتقد أنَّ هذه الزنازين مكيفة الهواء.

ومما ضاعف من الأخطار المرتبطة بتغير المناخ مشكلة اللاجئين. كلتا المشكلتين مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً، إذ عادةً ما تكون موجات الجو المتطرفة عاملاً في عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

المفاجأة أن اللجوء سيزيد بسبب التغير المناخي

استمارات طلب اللجوء سوف تزيد بحوالي 200% بنهاية القرن الحالي، إذا لم يتم التقليل من انبعاثات الغازات الدفيئة، حسبما كشفت ورقة نُشِرَت في مجلة Science العلمية في شهر ديسمبر/كانون الأول 2017.

ويعيش حوالي 80 ألف سوري حالياً في مخيم الزعتري للاجئين في المملكة الأردنية، في مستعمرةٍ حضرية شبه دائمة أُنشئت منذ 6 سنوات، وتعتبر الآن رابع أكبر مدينة في الأردن.

وصلت حمدة المرزوق (27 عاماً) إلى المخيم منذ 3 سنوات، فراراً من الضربات الجوية التي استهدفت حيها على أطراف دمشق.

فُقِدَ زوجها خلال الحرب، وكانت يائسةً لإنقاذ طفلها الأصغر وعائلتها الممتدة الذين يعيش 8 منهم الآن في مأوى مُعَد سلفاً، يتكون بالأساس من صندوق معدني كبير، تقول حمدة إنَّه يتحول إلى ما يشبه الفرن في الصيف.

وقالت حمدة عبر الهاتف من المخيم: «هذه منطقة صحراوية، ونحن نعاني. لدينا طرق مختلفة للتعايش. نستيقظ في الصباح الباكر وننقع الأرضية بالماء، ثم نرش الماء على أنفسنا». ليست هناك كهرباء بالنهار، لذا فإنَّ المراوح بلا فائدة. وعندما تأتي الكهرباء ليلاً تكون الصحراء قد أصبحت باردة بالفعل».

وتنتظر أسرة حمدة لأيامٍ كثيرة حتى المساء للخروج، رابطين مناشف مبتلة حول رؤوسهم. لكنَّ المشكلة الأكبر في العواصف الرملية، التي قد تصبح عنيفةً خلال شهور الصيف وتجتاح المعسكر لأيام. وقالت حمدة: «يتعين علينا إغلاق نوافذ البيت المتنقل»، وهو ما يزيد من درجة حرارة الغرفة». وأضافت: «يصبح الجو خانقاً. ننقع المناشف ونحاول التنفس من خلالها».

ويعاني ابن حمدة ذو الـ5 أعوام من مشكلاتٍ في الجهاز التنفسي ويتعرض للعدوى باستمرار، في الوقت الذي تنتشر فيه أزمات الربو في المخيم.

كما تتفاقم أزمة المياه في الأردن جراء اللجوء

والماء يسبب مشكلةً أيضاً، فبعد وصول اللاجئين زاد الطلب على المياه شمال الأردن، وهو واحد من أكثر البلدان ندرةً في المياه في العالم.

وتعمل حملة تقودها اليونيسيف على ربط جميع المنازل بشبكة المياه بحلول شهر أكتوبر/تشرين الأول 2018، وهي خطوة تقول حمدة إنَّها خطوة ساعدت كثيراً.

وقالت حمدة: «اعتدنا جمع المياه في الجراكن، وكان يتعين علينا حملها مسافات طويلة. أما الآن، بعد تشغيل شبكة المياه، فالأمور أسهل كثيراً. لم نعد بحاجة إلى القتال في صفوفٍ طويلة للحصول على نصيبنا من المياه. الآن هناك عدالة».

أزمة المياة تزيد من معاناة ارتفاع الحرارة

ولكن ترك الأغنياء للفقراء يكتوون بالحرارة سينقلب عليهم

ارتفاع درجات الحرارة قد يقلل من مستويات معيشة 800 مليون شخص، هكذا خلص تقرير للبنك الدولي.

وبشكل عام، فإنَّ غياب المساواة يسهم في تغذية ما يمكن تسميته»الأفران الحضرية».

فالباحثون الأميركيون الذي كشفوا النقاب عام 2013 عن جور الانقسام العرقي في مدى تعرض السكان في المناطق الحضرية لخطر الحرارة اكتشفوا أنَّه كلما زاد فصل أعراق السكان في مدينة ما، زادت حرارتها على الجميع. وقالت إحدى المؤلفات المشاركات في الدراسة، وتدعى راشيل موريلو فروش، لصحيفة LA Times في ذلك الوقت: «يبدو أنَّ هذا النمط من الفصل العرقي يزيد من خطر تعرض الجميع للحياة في بيئة معرضة للحرارة».

ولكن هل ثمة أمل في الإنقاذ؟.. إنها سفينة واحدة

وجد الباحثون أنَّ التعامل مع المدن ككل، بما في ذلك أحياء الأقليات، أمر أكثر فعالية في التعامل مع الحرارة الحضرية المتطرفة.

وأوصى الباحثون بزراعة المزيد من الأشجار وزيادة الأسطح فاتحة الألوان للحد من التأثير الإجمالي للجزر الحرارية، مضيفين أنَّ التخطيط الحضري للتخفيف من درجات الحرارة الشديدة في المستقبل «ينبغي أن يدمج بشكل فعال منظوراً من العدالة البيئية ويتعامل مع الفروقات العنصرية/العرقية».

وقال طارق بن مارهنيا، الباحث في الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا، إنَّ العمل على كسر العزلة الاجتماعية «موقف يربح فيه الجميع»، مع الفائدة الإضافية لجلب الناس «غير المرئيين» الأكثر عرضة للخطر، مثل المشردين والمهاجرين غير القانونيين، إلى المجتمع مرةً أخرى، حيث يمكن الاعتناء بهم.

تجارب واقعية.. وفروا المياه والحدائق للجميع

بدأت الإجراءات على الأقل في واحدةٍ من أشد بلدان العالم حرارة. إذ أعلنت الهند مؤخراً عن سلسلة من التدخلات الصحية المنطقية العامة، أدت إلى انخفاضاتٍ هائلة في الوفيات المرتبطة بالحرارة، من 2040 حالة وفاة عام 2015 إلى أكثر بقليل من 200 حالة عام 2017.

وتضمنت هذه الإجراءات الناجحة فتح بوابات الحدائق العامة خلال النهار، وتوزيع المياه المجانية، ودهان أسطح الأحياء الفقيرة بالأبيض، ما أدى إلى تخفيض درجات الحرارة الداخلية بمقدار 5 درجات.

وكانت مونتريال بكندا قد بدأت في تطبيق خطة عمل مشابهة عام 2004، فقللت من الوفيات في الأيام الحارة بمقدار 2.52 حالة وفاة في اليوم، لكن مع زيادة موجات الحرارة، فمن المحتمل أن تكون هذه الخطة بحاجة إلى إعادة التقييم.

وقالت نادلر إنَّ التأثيرات المدمرة للاحتباس الحراري قد بدأت لتوّها فحسب في التأثير على الجميع. وقالت: «سينبغي للمدن إعادة التفكير في كيفية التجهيز لحالات الطوارئ هذه، وما الذي يمكننا تقديمه لجميع مواطنينا، من أكثرهم ثراءً إلى أكثرهم هشاشة».


اقرأ أيضاً:

اقتراح تصحيح

زر الذهاب إلى الأعلى