المعلم القدوة

الحمد لله القائل . ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(المجادلة: من الآية11) ، والصلاة والسلام على من دل على قدر العلم والتعليم بقوله :” إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير “. أما بعد :

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله والأخذ بأسباب العلم والتعلم عبر شريط نسمعه أو كتاب نقرؤه أو ندوة أو محاضرة أو درس نحضره أو دورات نشارك فيها فهنيئا لمن سلك طريقاً تضع له فيه الملائكة أجنحتها رضىً بما يصنع قال عليه الصلاة والسلام :” سلوا الله علماً نافعاً وتعوذوا بالله من علم لا ينفع “. وعنه عليه الصلاة والسلام :” 

طلب العلم فريضة على كل مسلم “. وفي الحديث الآخر :” من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين “. 

ومع مستفتح عام دراسي جديد نطل جميعا من نافذة على أشرف معلم وأزكى مرب وأكمل مؤدب هو الحبيب صلى الله عليه وسلم لنلمح من خلال تلك السيرة العطرة والمآثر النيرة ما يحسن بكل معلم الأخذ بها سواء أكان مدرساً في مدرسة أو جامعة أو أباً في منزل أو مديراً في دائرة أو ناصحاً بين قرابته وجيرانه إذ المصطفى صلى الله عليه وسلم معلم البشرية وهادي الإنسانية قد أوتي من شمائل الأخلاق وطريقة المعاملة وحسن المعاشرة ما جعله نبراساً لكل مقتد ومعلماً لكل طالب خير .. فدونك أخي التأسي بساتين وارفة وحدائق غناء نجتني من ثمرها ونقطف من حلو طلعها .. 

فمن أساليب المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم في تعليم الأمة وتربية النشء :

1) تعليمه من خلال القدوة الحسنة . 

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة فشق عليه ذلك حتى رؤاي في وجهه ؛ فقام فحكه عليه الصلاة والسلام !
وأعظم ما يلزم كل معلم أياً كان القدوة الحسنة مظهراً ومخبراً أخلاقاً وتعاملاً وإلا فقل يا ضيعة التعليم . 

2) تعليمه الشرائع بالتدريج عليه الصلاة والسلام . 

عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال :[ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة – الحزور من شارف سن البلوغ – فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً ]. وليس بخاف ما وصى به معاذاً لما أرسله إلى اليمن رضي الله عنه قفال :” إنك قادم على قوم أهل كتاب فليكن أول ماتدعوهم إليه عبادة الله ؛ فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا فاخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم فترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا فخذ منهم ، وتوق كرائم أموال الناس .

3) الاعتدال والبعد عن الإملال .

فقد كان يتعهدهم بالموعظة ويتخولهم بالتوجيه لئلا يملوا . روى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه أنهكان يذكر الناس كل خمس فقال رجل : يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم فقال :[ ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهة أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا ]. 

قال عليه الصلاة والسلام :” يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا “.

4) رعايته عليه الصلاة والسلام للفروق الفردية .

فقد كان يخاطب كل أحد بقدر فهمه وبما يلائم منزلته ، ومن ذلك وصاياه فترى أبا ذر رضي الله عنه لما استوصاه فقال :” اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة وخالق الناس بخلق حسن “. 
وفي أخرى قال لمن استوصاه :” لا تغضب ” وذلك يطلب المزيد والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على وصايته بقوله :” لا تغضب “.
وفي ثالثة يوصي من سأله بقوله :” قل آمنت بالله ثم استقم “. وهكذا تختلف وصاياه ويتمايز تعليمه بحسب المخاطب .

5) تعليمه بالحوار والمساءلة .

وذلك لإثارة المستمعين وتشويق نفوسهم وحضهم على التفكير والمشاركة .
فمرة يقول عليه الصلاة والسلام :” أتدرون من المفلس ؟” ومرة يقول :” أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء ؟ “. 

وهكذا :” أتدرون ما الغيبة ؟ “. .. ” أتريد أن تميتها موتات ؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها “؟

6) تعليمه عليه الصلاة والسلام بالمحادثة والموازنة العقلية . 

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا : مه مه ؟!
فقال عليه الصلاة والسلام :” ادنه فدنا منه قريباً , فجلس قال : ” أتحبه لأمك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك . قال : ” ولا الناس يحبونه ‏ ‏لأمهاتهم ” ، قال : ” أفتحبه لابنتك ؟ ” قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك . قال : ” ولا الناس يحبونه لبناتهم ” قال : ” أفتحبه لأختك ؟ ” قال : ” لا والله جعلني الله فداءك قال : ” ولا الناس يحبونه لأخواتهم ” ، قال : ” أفتحبه لعمتك ” قال : لا والله جعلني الله فداءك . قال : ” ولا الناس يحبونه لعماتهم ” ، قال : ” أفتحبه لخالتك ؟ ” قال : لا والله جعلني الله فداءك . قال : ” ولا الناس 
يحبونه لخالاتهم ” ، قال فوضع يده عليه وقال ‏:” ‏اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه ” فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء . رواه أحمد في مسنده .