الوسواس القهري

 

هذا العُصاب من أكثر الاضطرابات النفسية ألماً ومعاناة، ويُمثل حوالي ٤٪ من مجموع الاضطرابات النفسية ، كما تدّل الأبحاث الحديثة على أن شيوعه بين التعداد السُكاني يصل إلى ٢.٥٪. يختلف كثير من الأطباء حول طبيعة هذا المرض، فالبعض يرى أن يدرجة مع الذهان، نظراً لأن بعض حالات الوسواس القهري تتحول أحياناً إلى أمراض ذهانية، فيما يذهب البعض بأراءه ليقول أنه عملية دفاعية ضد الذهان. في الجهة الأخرى، ينظر بعض المختصين انه أحد معادلات اضطراب الإبتهاج الإكتئابي خاصة النوع الدوري من الوسواس القهري؛ حيث إن الأعراض القهرية كثيراً ما تنشأ كإحدى ظواهر مرض الإكتئاب.

ماهية الوسواس القهري:

1- معنى الوسواس، لغةً :

الوسواس لغةً: الوسوسة والوسواس أصلها مشتاق من مادة (وسس) (وس وس) وس وس: (الْوَسْوَسَةُ) حَدِيثُ النَّفْسِ، يُقَالُ: (وَسْوَسَتْ)إِلَيْهِ نَفْسُهُ (وَسْوَسَةً) وَ (وِسْوَاسًا) بِكَسْرِ الْوَاوِ. (وَالْوَسْوَاسُ) بِالْفَتْحِ الِاسْمُ كَالزِّلْزَالِ وَالزَّلْزَالِ. وَقَوْلُهُ – تَعَالَى -: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ}[الأعراف: 20] يُرِيدُ إِلَيْهِمَا وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تُوصِلُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ كُلِّهَا الْفِعْلَ. وَيُقَالُ لِصَوْتِ الْحُلِيِّ: (وَسْوَاسٌ) . وَالْوَسْوَاسُ أَيْضًا اسْمُ الشَّيْطَانِ. هو حديث النفس؛ فيقال وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواساً. قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [قّ: 16]. وسوست النَّفْسُ : حدَّثتْ بما لا جَدْوى به ولا طائِل تحتَهُ

القهر لغة: هو الغلبة، قهره قهراً: غلبه غلبه فهو قاهر وقهار، ويقال أخذهم قهراً أى: من غير رضاهم، وفعله قهراً أى بغير رضا. (القاموس المحيط)

2- الوسواس اصطلاحاً:

١. الإمام أبن القيم ”إن الوسوسة هي الإلقاء الخفي في القلب“

٢. الراغب ”الوَسْوَسَةُ: الخطرةُ الرّديئة، وأصله من الوَسْوَاسِ، وهو صوت الحلي، والهمس الخفيّ ”

٣. الشبلي: الوسوسة هِيَ الْإِلْقَاء الْخَفي فِي الْقلب وَهَذَا يشْتَرك بَين الْجِنّ وَالْإِنْس

# الفرق بين الوسواس الخنّاس والوسواس القهري:

الجدير بالذكر أن كلمة الوسواس في اللغة العربية تشمل الوسواس الخنّاس وهو الشيطان، وتشمل الوسواس القهري وهو مرض نفسي.والحقيقة أن الكلمتان مختلفتان في كل اللُغات الأخرى. أن الأفكار التي تحدث نتيجة اضطراب الوسواس القهري تكون مستمرة لأكثر من ساعة في اليوم

وتستحوذ عليه بشكل قهري لايمكن طردها، كما يتأثر تبعاً لها عمل الفرد وعلاقاته الإجتماعية. بالإضافة إلى أن الوسواس القهري ينطوي على مخاوف غير عقلانية يؤمن المريض بعدم جدواها. وكثراً ما يرتبط مع الأفكار الوسواسية أفعال قهرية.في الوسواس القهري غالباً تكون الأفكار غريبة على الفرد ومخالفة لتوجهاته ومبادئه ومشاعره. أما بالوسواس الخنّاس فمصدرها الشيطان، تأخذ شكل التعطيل عن فعل الخير وعن أداء الفروض الدينية، فيزين الشيطان للإنسان أعمال الشر على أنه خير . وفي قوله

تعالى: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} نجد أن هناك ارتباط وتعلق معنى كلمة الوسواس بالشيطان، فإذا أردنا ربطهما معاً فلا بد أن نفهم حقيقة المعنى للفظ القرآني المذكور في القرآن الكريم بأن الشيطان متبوع بكلمة الخناس (الوسواس الخناس).هذه هي صفة للشيطان أنه يخنس ومعناة يخنّس أي (تَوَارَى ، غَابَ) وبالتالي فإن الخناس اسم من أسماء الشيطان لأنه يخنس، وهذا ما وضحه نبينا عليه الصلاة والسلام في مواجهة وسواس الشيطان: ” فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاثًا“ رواة مُسلم. هذا في شأن الوسواس الخناس أما في الوساس القهري فإن الأفكار لن تنتهي بمجرد الإستعاذة لأنه مرض وله أساس فسيولوجي وليست من عمل الشيطان.

اعراض الوسواس القهري:

 فيما يلي أهم أعراض عصاب الوسواس القهري :

1 – الأفكار المتسلطة ، ويكون معظمها تشككية أو اتهامية أو عدوانية أو جنسية ( الشك في الخلق والتفكير في الموت والبعث والاعتقاد في الخيانة الزوجية ) والانشغال بفكرة ثابتة تسلطية ، والتحريض على القيام بسلوك قهري .

2 – المعاودة الفكرية ، والتفكير الاجتراري كترديد كلمات الأغاني بطريقة شاذة .

3 – التفكير الخرافي البدائي والإيمان بالسحر والشعوذة والأحجبة ، والأفكار السوداء ، والتشاؤم ، وتوقع الشر ، وتوقع أسوأ الاحتمالات والكوارث .

4 – الانطواء والاكتئاب والهم وحرمان النفس من أشياء ومنع كثيرة ، وسوء التوافق الاجتماعي وقلة الميول والاهتمامات نتيجة التركيز على الأفكار المتسلطة والسلوك القهري .

5 – الضمير الحي الزائد عن الحد ، والشعور المبالغ فيه بالذنب ، والجمود ، وعدم التسامح والعناد والجدية المفرطة ، والدقة الزائدة .

6 – الاستغراق في أحلام اليقظة .

7 – القلق إذا وقع في المحظور ، وخرج عن القيود والحدود ، والتحريمات التي فرضها على نفسه فكرا وسلوكا .

8 – السلوك القهري والطقوس الحركية كالمشي على الخطوط البيضاء في الشارع ، والمشي بطريقة معينة ، ولمس حدود الأسوار ، وعد الأشياء التي لا يعدها الناس كطوابق المنازل والشبابيك ودرجات السلم وأعمدة الكهرباء ، والتوقيع على أي ورقة عددا معينا من المرات …. إلخ .

9 – النظام والنظافة والتدقيق والأناقة وحب القيام بطقوس ثابتة وطويله في النظافة وغسل اليدين المتكرر ونظام ثابت في لبس الملابس وخلعها ، وفي ترتيب الأثاث ، فلكل شيء مكان ووضع وكل شيء في مكانة وموضعه … وهكذا .

10 – التتابع القهري في السلوك ، والبطء في العمل ، والتردد وعدم القدرة على اتخاذ القرارات .

11 – الشك المتطرف في الذات ، والتأكد المتكرر من الأعمال ، والتردد والمراجعة الكثيرة ، وتكرار السلوك ( كتكرار قفل الأبواب ومحابس المياه والغاز … الخ ) .

12 – الخواف خاصة من الجراثيم والميكروبات والقذارة والتلوث والعدوى ، ولذلك يتجنب مصافحة الناس ، أو تناول الطعام والشراب الذي يقدم له في المناسبات … إلخ .

13 – السلوك القهري المضاد للمجتمع ، كهوس إشعال النار وهوس السرقة ، وهوس شرب الخمر ، والهوس الجنسي .

تشخيص عصاب الوسواس القهري :

1 – قد تلاحظ بعض أشكال خفيفة من الفكر الوسواسي والسلوك القهري عند الشخص العادي ، ولكن الفيصل هو اعتبار الفكر وسواسيا والسلوك قهريا هو تكرار وقوعه وظهور القلق والتوتر عند مقاومته أو منع الفرد تأدية عمله اليومي والتأثير على كفاءته وسوء توافقه الاجتماعي .

2 – يلاحظ إذا طغى الفكر الوسواسي أكثر ، كانت الحالة شديدة ، أما إذا طغى السلوك القهري ، كانت الحالة أخف .

3 – يجب المفارقة بين عصاب الوسواس والقهر كمرض في حد ذاته أو كعرض من أعراض مرض آخر ، مثل ذهان الهوس والاكتئاب أو الفصام .

4 – ويجب المفارقة بين عصاب الوسواس والقهر وبين الهذاء . والفارق الرئيسي هو أنه في عصاب الوسواس والقهر يتأكد المريض من عدم صحة وتفاهة وغرابة وسخف فكرة المتسلط وسلوكه القهري ، أما في الهذاء فإن الأفكار والسلوك يؤمن المريض بصحتها تماما .

5 – ويتشابه الحواز في أصله وطابعه مع الوسواس ، وكثيرا ما يتواجدان سويا في المريض الواحد . ولا يكاد يختلف الحواز عن الوسواس إلا في أن الحواز يتميز أكثر بأنه حركي ، بينما الوسواس يتميز أكثر بأنه فكري .

فالحواز يقوم بأفعال حركية متكررة ، بينما الوسواسي تراوده وتعاوده أفكار غريبة .

والمريض في الحالتين يعي تماما أنه مريض .

ويجاهد في أن يوقف الأفعال الحركية الحوازية لإدراكه لسخفها .

وفي أن يدرأ الأفكار الوسواسية لإدراكه لعدم منطقيتها وزيفها .

وإن كان يفشل في الحالتين لأن الدوافع إليهما دوافع لا شعورية لا يدركها ولا يملك التحكم فيها ولا يستطيع مواجهتها بشكل ناجح إلا إذا أدرك حقيقتها وأهدافها بعد أن يخضع للتحليل النفسي .

 

أسباب وعوامل خطر الوسواس القهري

ما من مسبّب صريح واضح لاضطراب الوسواس القهري. أما النظريات المركزية بشأن العوامل المسببة المحتملة لاضطراب الوسواس القهري فتشمل: عوامل بيولوجية ، عوامل بيئيّة ، درجة غير كافية من السيروتونين .

علاج الوسواس القهري

هي عملية معقدة وغير مضمونة النجاح في جميع الحالات. وفي بعض الأحيان ،قد تكون هنالك حاجة إلى علاج متواصل يستمر مدى الحياة. ومع ذلك ،يمكن أن يكون علاج الوسواس القهري مفيدا في مساعدة المريض على التعامل مع الأعراض ،ومواجهتها ومنعها من السيطرة على مجريات حياته.

ويختلف العلاج الأفضل والأنجح لاضطراب الوسواس القهري تبعاً للمريض نفسه ،ووضعه الشخصيّ وتفضيلاته . و غالبًا ما يكون الدمج بين العلاج النفسي والعلاج الدوائي ناجحا جدًّا.

هنالك نوعان أساسيان متبعان في علاج الوسواس القهري ،هما:

العلاج النفسي ، والعلاج الدوائيِ

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى