برنامج كورت (CoRT) وتنمية التفكير الإبداعي

برنامج كورت (CoRT) وتنمية التفكير الإبداعي
أحلام بنت عامر بن سلطان الشحيمي
جامعة السلطان قابوس
كلية التربية/ قسم المناهج والتدريس
أصبح الاهتمام  بالتفكير ضرورة ملحة في هذا العصر الذي يتميز بالتغيير السريع في مختلف جوانب الحياة، وأضحى تنمية التفكير عند الطلبة هدفا رئيسيا من أهداف التربية المعاصرة، ويحتل مكانة بارزة في البحوث التربوية الحديثة، من أجل إعداد جيل قادر على مواكبة هذا التغير، واستيعاب الكم الهائل من تطور المعرفة. إلا ان التعليم في مدارسنا ما زال يركز على ضخ المعلومات إلى عقول الطلبة عن طريق التلقين في عصر يحتاجون فيه الى مهارات التفكير لتساعدهم على معرفة قدراتهم العقلية وبالتالي تنميتها واستثمارها بصورة تحقق لهم فهم أفضل لأحداث للحياة.
أهتم الإسلام بموضوع التفكير، وقد ورد ذكره وما يتعلق به سواء في الكتاب العزيز أو السنة النبوية، وأهتمت الحضارات القديمة كالإغريق وغيرهم بموضوع التفكير، فسقراط كان يقول لمن يحاوره: “تكلم لأعرف كيف تفكر، ومن ثم أعرف من أنت”. كما اشتهرت مقولة ديكارت: ” أنا أفكر إذن أنا موجود”(الفرعي، 2008).وقد أكد تقرير خبراء اليونسكو للجنة الدولية المعنية بالتربية للقرن الحادي والعشرين بعنوان(نتعلم لنكون) أننا نعيش ف عالم شديد التغير، ويجب إفساح المجال للخيال والإبداعية، فهما يمثلان أوضح مظاهر حرية الإنسان، إذ إن القرن الحادي والعشرين بحاجة إلى هذا التنوع في المواهب، والشخصيات في أي حضارة كانت، وينبغي أن تتاح للأطفال والشباب جميع الفرص الممكنة للاكتشاف، والتجريب، ليكملوا العرض الجذاب لما استطاعت الاجيال السابقة أو الراهنة إبداعه في مجالات مختلفة”. (الصافي وقارة،2010).
ولقد حظي التفكير الابداعي باهتمام ملحوظ في العصر الحالي سواء في الدول المتقدمة أو النامية، وقد أشارت المهري(2005) أنه مع بداية عام 2000م أدركت اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم في اليابان أن الجامعات لا تراعي تنمية الإبداع لدى الطلاب من أجل تلبية احتياجات الأمة لتحقيق المزيد من التطور في القرن الحادي والعشرين. وذكر ناير ويوسف (, 2011 Nair & Yousf ) أن بدءا من عام 1980م، ووزارة التربية والتعليم بماليزيا تركز على التفكير الإبداعي ومهارات حل المشكلات المناهج الدراسية أيمانا منها ان القدرة على التفكير الإبداعي ومهارات حل المشاكل مهمة ويحتاج لمن يرعاهم بين التلاميذ، وهي مهارات قيمة  تساعد التلاميذ في مواجهة مختلف التحديات على نحو فعال في الحياة، مثل حل مشاكلهم اليومية والمشاكل في مكان العمل في المستقبل.
يقول دي بونو(De Bono) مؤلف برنامج كورت لتعلم التفكير إن العديد من المعلمين الذين يعلمون دروس الكورت لاحظوا أن بعض الطلبة الذي كان ينظر إليهم كمتخلفين أكاديميا قد ظهروا فجأة  وأصبحوا مفكرين ،فهم أدهشوا المعلم ، وأقرانهم.(الصافي & قارة ،2010:9) ،وكان دي بونو( De Bono) من أوائل المتحمسين لموضوع تعليم التفكير ضمن دروس مخصصة ، وأورد أنه يمكن تعليم التفكير مثل أية مادة دراسية بشكل مستقل. إلا ان هناك افتراض سائد مفاده أن أية مادة دراسية تعتبر مادة مناسبة لتعلم مهارات التعليم واستراتيجياته(قطامي،2005).
سأتناول في هذا الورقة الشاملة مفهوم التفكير وأهميته والتفكير الإبداعي وعلاقته بتدريس العلوم كما سأتناول موضوع برنامج كورت كأهم برامج تعليم التفكير في الوقت الحاضر وبعض الدراسات التي تناولته سواء كمادة مستقله أو ضمن المناهج الدراسية، راجية من المولى أن يكون مقالا ملما بجوانب الموضوع كما أرجو ان تستمتعوا بقراءته كما استمتعت بكتابته.
التفكير
تعددت تعاريف مفهوم التفكير ويرى جمل(2008) أنه هناك اتجاهين ناتج عن تغاير أراء العلماء لمفهوم التفكير: الاتجاه الاول يذهب إلى اعتبار التفكير عملية عقلية مجردة يتضمن عمليات داخلية تعيد تنظيم ما نعرفه في شكل أنماط وعلاقات جديدة، لم تكن معروفة من قبل(جمل، 2008 :27). اما الاتجاه الثاني فيعتبر التفكير أسلوب لحل المشكلات، وذلك بافتراض ان نشاطات حل المشكلة تمثل عمليات التفكير ذاته التي تمكنهم من الاستدلال والتفكير، فهم بذلك يعتبرون التفكير وحل المشكلة كلمتان مترادفتان ضمن النشاطات المعرفية المتعلقة بهما.(جمل، 2008 :27).واستمر التغاير في اتجاه يربط بين المفهومين السابقين كما في تعريف ريان(2006) للتفكير على انه” جملة العمليات العقلية التي تجري داخل عقل الإنسان بهدف الربط بين الحقائق والمفاهيم والمعلومات والبيانات المتعلمة وتوظيفها في حل المشكلات التي يوجهها المرء أو الإجابة عن الاسئلة التي تنشأ من خلال تفاعله مع عناصر البيئة التي يحيا فيها”. عن(العوفي،2008 :20). ومن وجهة نظري أميل إلى التعريف الاخير وأصنفه على أنه اتجاه ثالث ربط بين الاتجاهين الاول(التفكير عملية عقلية مجردة) والثاني (التفكير أسلوب لحل المشكلات).
لندربهم على الإبداع:
ان مخ الإنسان يزن 1.5 كيلوغرام ويعتبر أثقل وأكبر الأعضاء في الإنسان، كما يحتوي ما يقارب على 10 و50 مليار خلية عصبية. والمخ أكبر حجما من المعدة ولكن لا نستطيع ان نملأه بالمعلومات كما نملأ المعدة بالطعام، إلا إذا كانت المعلومات منظمة ومرتبة.(جمل،2008 :33) فمعرفة وظائف وأنشطة المخ يقودنا إلى الاستفادة من كيفية تنمية قوى الإدراك والتفكير، خاصة ما زودتنا به البحوث الحديثة المتعلقة بنصفي الدماغ الايمن والأيسر ووظائف كل جزء، ناهيك عن العلاقة المتبادلة والمتمثلة في التشابك المعقد للألياف العصبية بين نصفي الدماغ والذي يدل على حاجتنا لكلا النصفين حتى يقومان بشكل وظيفي أفضل (SIilver,1982؛Brools&Obrzut,1981) عن (جمل،2008). ويمكن القول من وجهة نظري أن المخ ثروة عظيمة والاستفادة منه يتطلب تنمية وإتقان بعض المهارات التي يفضل ان تدرج أكاديميا في برامج تعليم الأطفال. الذين هم في حاجة أوسع لتنوع الخبرات لضمان نمو متكمل لنصفي الدماغ لتحقيق الابداع ، بدل اهدار هذه الطاقة في الانفعالات والصياح والالعاب المجمدة للعقل.
التفكير الإبداعي ( creative thinking):
يعتبر التفكير الابداعي من أكثر أنواع التفكير تداولا عند العلماء والتربويين، ويرتبط بظاهرة إنسانيه أعم وهي الإبداع التي اصبحت مطلب العصر الحديث. ويعرف صوافطة(2008) التفكير الإبداعي على أنه قدرة الفرد على إنتاج شيء جديد أو الوصول إلى حلول جديدة. ويذكره دناوي على انه ” نشاط عقلي مركب وهادف يعمل على توجيهه رغبة قوية في البحث عن حلول أو التوصل إلى نواتج أصلية لم تكن معروفة أو مطروحة من قبل” (دناوي,  2008: 29) .ويحدد جيلفورد الإبداع بأنه” عملية ذهنية معرفية تتضمن الطلاقة، والمرونة، والأصالة، والإثراء بالتفاصيل”(قطامي،2005: 126). وقد بنيت العديد من البرامج التربوية لتنمية مهارات التفكير المختلفة عامة والتفكير الإبداعي بشكل خاص مثل: برنامج الحل الإبداعي للمشكلات لأرسبون((Osborn، ومهارات التفكير لتابا(Taba)، وبرنامج البناء العقلي لجيلفورد(Guilford)، والبرنامج التعليمي الإثرائي لفيورستين(Feuerstein)، وبرنامج المنج لكوفنجتن ورفاقه(Kofengton)، وبرنامج كورت (CoRT) لتعليم التفكير لإدوارد ديبونو، ويعتبر الأخير من أشهر برامج تعليم التفكير، حيث لقي انتشارا واسعا بين الدول(جروان،1999 ).
مهارات التفكير الإبداعي:
يتضمن التفكير الابداعي عدداً من العناصر الرئيسية التي تعتبر بمثابة مهارات التفكير الابداعي وهي: الطلاقة، والمرونة، والأصالة والتي سيتم بإذن الله قياسها لدى الطلاب، وفيما يلي توضيح لهذه المهارات:
الطلاقة(Fluency): وتشير إلى مجموعة الاستجابات الخاصة بكمية الأفكار التي تمكن إنتاجها في وحدة زمنية معينة ، أي سهولة توليد الأفكار بسرعة.(صوافطة، 2008: 40)
المرونة(Flexibility): وتعبر عن قدرة الفرد على توليد اكبر عدد ممكن من الأفكار المتنوعة تغاير الافكار المتوقعة والشائعة لدى الفرد.(صوافطة،2008) ،ويعرفها جروان(2008)  بأنها قدرة الفرد على توليد افكار متنوعة غير تلك الافكار المتوقعة.
الأصالة(Originality): وتعني التجديد والانفراد بالأفكار، وتختلف عن الطلاقة والمرونة من حيث انها تعتمد على القيمة النوعية والنفور فيما يكرره الاخرون(جمل،2008 :58 ).
تدريس العلوم وتنمية مهارات التفكير الإبداعي
شغلت قضايا التفكير بشكل عام والتفكير الابداعي بشكل خاص حيزا كبيرا من اهتمام المفكرين والتربويين في كثير من دول العالم، لما لها من دور عظيم في ايجاد افراد منتجين قادرين على اتخاذ القرارات. كما يؤكد المختصون في التربية العلمية ان تدريس العلوم تتطلب تعليم الطلبة كيف يفكرون. ويؤكد(Charlesworth & Lind,1995) أن العلوم ليست إلى حد كبير مجود ركام من معرفة معينة بقدر ما هي طريقه في التفكير والعمل، أي منحى لحل المشاكل. عن (جمل،2008 :258 ) .وهنا نؤكد على مساعدة الطلبة وبخاصة الاطفال على اكتساب الطريقة العلمية في التفكير والبحث، أي التركيز على تعليم التفكير من خلال تدريس العلوم المتمثلة في عمليات العلم الأساسية وغيرها.
برنامج كورت(CoRT) لتعليم التفكير:
يعد برنامج كورت لتعليم التفكير من اشهر البرامج العالمية وأكثرها تطبيقا. وضعه عالم التفكير الشهير دي بونو(De Bono)، واشتق أسم البرنامج من أسم المؤسسة التي قامت بنشره وتطويره مؤسسة البحث المعرفي”  Cognitive Research Trust” وأضيف حرف”o” لتسهيل نطق المصطلح. والبرنامج مصمم لتقديم مهارات التفكير من خلال مجموعة من الأدوات العملية التي يدرب الطلاب على استخدامها في مواقف متنوعة، مع ضرورة توافر فرص تدريبية كثيرة ومتنوعة يطبقون الطلاب من خلالها أدوات معدة لتنمية مهارات التفكير لديهم.(الجلاد،2006 ).
يتألف البرنامج من 6 أجزاء هي:
–         الجزء الأول: توسيع الادراك، ويركز على توسعة أفق التفكير، ويعتبر أساس لتدريس بقية الأجزاء.
–         الجزء الثاني: التنظيم الذي يهتم بالتحليل والمقارنة وغيرها.
–         الجزء الثالث: التفاعل وينمي مهارات مثل التحقق من الطرفين والدليل وأنواعه.
–         الجزء الرابع يتعلق بتنمية الابداع.
–         الجزء الخامس ويهتم بالمعلومات والعواطف.
–         الجزء السادس الفعل وهو جزء خاص بوضع الأهداف والاختصار وغيرها من الأدوات.
وكل جزء من هذه الاجزاء من 10 أدوات للتفكير ، ولكل من بطاقة خاصة توضح فكرة الاداة ومثال عليها، وبعض التمارين كتطبيقات من الحياة أو افتراضات قد تحدث ، كما توجد بعض المبادئ المهمة، التي تخص الاداة ومناقشات حولها(معمار،2010). وكان دي بونو( De Bono) من أوائل المتحمسين لموضوع تعليم التفكير ضمن دروس مخصصة ، وأورد أن الآلاف المعلمين من مختلف الجنسيات ومن خلفيات ثقافية متعددة وديانات مختلفة قادرين على تدريس دروس كورت، مما يدل على أن عملية التفكير عملية سهلة.
أثبتت عدة دراسات فعالية برنامج كورت كمادة مستقلة في تنمية التفكير الابداعي ومنها دراسة أريكسون(Erikson,1990)  التي هدفت لتقيم فعالية برنامج الكورت(CoRT) ( الجزء الأول (توسعة الإدراك)على مركز الضبط ومفهوم الذات والإبداع للطلبة الموهوبين في جنوب افريقيا ،ودراسة ريتشي  وادواردز(Ritchie & Edwards,1996) حيث هدفت لتقييم أثر برنامج الكورت (CoRT)(الجزء الأول، والرابع، والسادس) في تنمية قدرات التفكير الإبداعي لدى طلاب الصف السابع من السكان الأصليين بأستراليا ، ودراسة الجلاد(2006) والتي هدفت للكشف عن فعالية استخدام برنامج الكورت(CoRT) وفي تنمية مهارات التفكير الإبداعي لدى طالبات اللغة العربية والدراسات الإسلامية في شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا .وأشارت نتائج دراساتهم  بوجود فروق ذات دلالة احصائية في تنمية مهارات التفكير الابداعي من خلال برنامج كورت.
        وفي المقابل هناك من استخدم دمج برنامج كورت ضمن محتوى المناهج الدراسية مثل دراسة كل من باراك ودوبلت(Barak & Depplet,1999) ، حيث تم دمج برنامج كورت ضمن برنامج مُصمم للتفكير الإبداعي والتكنولوجيا في المواد التقنية ، ودراسة الشهراني (2010) التي هدفت لتقصي فعالية برنامج مقترح لتدريس العلوم في ضوء برنامج كورت لتنمية مهارات التفكير الناقد لطلاب الصف السادس بالمملكة العربية السعودية ، ودراسة العبري(2010) والتي هدفت لكشف اثر استخدام برنامج كورت في تنمية مهارات التفكير الإبداعي في الدراسات الاجتماعية لدى طالبات الصف العاشر بسلطنة عمان ، دراسة العوفي (2008). وكل من هذه الدراسات استخدمت أجزاء مختلفة من أدوات كورت  وملاحظة أثرها سواء في تنمية التفكير الابداعي والتفكير الناقد ،وأشارت نتائج هذه الدراسات بتفوق المجموعة التجريبية التي تم تدريسها وفق برنامج كورت وملاحظة أثره على تحسن مهارات التفكير الابداعي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى