ثقافة عامة

صورة الجسد الأنثوي في المعتقد الشعبي : رؤية سوسيو – أنثروبولوجية (2)

د. حسـني إبـراهيم عبـد العظيم – أستاذ الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع المساعد
كلية الآداب – جامعة بني سويف / جمهورية مصر العربية

– الجسد الأنثوي ورأس المال الرمزي:

          تمثل قيمة الشرف و«العرض» أهمية كبرى بالنسبة للجسد الأنثوي في معظم المجتمعات التقليدية، وتعد هذه القيمة جزءاً من رأس المال الرمزي Symbolic capital بتعبير «بورديو» لكل من المرأة والرجل على السواء.

       يقصد “برديو” برأس المال الرمزي تلك الموارد المتاحة للفرد نتيجة امتلاكه سمات محددة كالشرف Honor والهيبةPrestige  والسمعة الطيبةRenown والسيرة الحسنةReputation  والتي يتم إدراكها وتقييمها من جانب أفراد المجتمع. (Bourdieu 1985:197)

          فالواقع أنه على الرغم من أن شرف المرأة مسألة شخصية خاصة بها، إلا أنه يمثل رمزاً لشرف الجماعة القرابية بأسرها، وعلى الرغم كذلك من أن الأنثى تحتل مكانة اجتماعية ثانوية، بل وهامشية مقارنة بالذكر، إلا أن هيبة الجماعة القرابية ومنزلتها الاجتماعية تتوقفان على سلوك الأنثى، ومدى مراعاتها للمبادئ الأخلاقية أكثر مما تتوقف على سلوك الذكر. (سامية الساعاتي 2003: 300)

          وترتبط قيمة شرف الأنثى وتختزل في فكرة «البكارة» أو «العذرية» Virginity ؛ ولذلك فينبغي أن تتخذ كافة التدابير لحماية العذرية، والمحافظة عليها، يجب أن يظل جسد الأنثى منغلقاً أمام أي محاولة من طرف الرجل لانتهاك بكارتها.

          إن حماية العذرية يدخل في صميم الملكية الاجتماعية لجسد الأنثى، هاجس بقاء الفتاة عذراء إلى يوم زفافها يمليه التعامل مع جسد المرأة كموضوع «خاص» يجب حراسته، لا يتأسس ذلك الهاجس على اعتبارات دينية وأخلاقية خالصة، بل يتأسس على قوانين التنظيم الاجتماعي، وتحديده لأدوار ومكانات الرجال والنساء، فوضع المرأة يختلف عن وضع الرجل، هذا الوضع يجعل من جسد المرأة وحده موضوعاً للرقابة، ومجالاً لطقوس الحماية والحراسة، وقد أبدعت المجتمعات أشكالاً متعددة لهذه الحراسة. (زينب المعادي 2004: 80)

          وقد كشفت الدراسة الميدانية عن طقس رمزي يمارس في مجتمع البحث يسمى «التصفيح» الغرض منه المحافظة على عذرية الفتاة، وحمايتها ضد أي محاولات لانتهاك جسدها، فالتصفيح يعني «التحصين» إنه بمثابة «التطعيم» Vaccination الذي يمنع انتهاك عذريتها حتى موعد الزفاف، وقبيل الزفاف بساعات يجرى طقس آخر لفك التصفيح، حتى يتمكن الزوج من القيام بذلك بنفسه، إن التأكد من عذرية الفتاة يمثل رمزاً لكبرياء الأسرة وهيبتها فضلاً عن كبرياء الأنثى وعزتها بطبيعة الحال.

          يجب أن تتم عملية التصفيح قبل سن البلوغ، فهي تجرى غالباً للفتاة من سن 5- 10 سنوات، وهي طقس «نسوي» خالص، لا يشارك فيه الرجال، ولكنهم يباركونه ويدعمونه، تقوم بإجراء العملية الجدة غالباً أو الأم أو إحدى القريبات ذات الخبرة، أو إحدى الجارات ذات الخبرة و«الثقة».إن التصـفيح يمثل أحد طقوس العبور المهمة للفتاة.

          ثمة معتقد شائع لدى الأفراد في مجتمع البحث مرتبط بهذه العملية، أنه بعد إجرائها تصبح الفتاة في حماية حارس من الجن، يقف على جسدها ليل نهار، حتى ليلة عرسها، ولا يمكن لزوجها فض بكارتها إلا بعد إجراء عملية إبطال التصفيح، قبيل موعد الزفاف، حينئذ ينصرف الحارس الجني، وتنتهي مهمته في حماية جسد الفتاة من الانتهاك.

          تقوم عملية التصفيح على مبدأ أساسي وهو تحصين الفتاة ضد أي محاولات لانتهاك جسدها، ثم «فك» ذلك التحصين قبيل الزفاف حتى تمارس حياتها الطبيعية مع زوجها وفق أعراف المجتمع. ولعملية التصفيح عدة طرق نشرحها فيما يلي:

الطريقة الأولى: طريقة «الجرد»

          الجرد هو اللباس الشعبي الليبي التقليدي للرجال، وهو مصنوع من الصوف، وتتم عملية التصفيح أثناء المرحلة الأخيرة من صناعة الجرد، فعندما يصل «الجرد» أو «العباءة» إلى قرب انتهاء تصنيعه، يؤتي بالفتاة لكي تصفح على «المسدة»([1]) التي يصنع عليها الجرد. يُترك ذراع ونصف من الجانب الأيمن، وذراع ونصف من الجانب الأيسر، وتُفتح فتحتان في وسط المسدة تسمحان بمرور الفتاة، وتكون فتحة لإدخال الفتاة والأخرى لخروجها، ثم تأتي امرأتان وتقفان على جانب المسدة، بحيث تكون المسدة بمثابة الحاجز بينهما، تجرد الفتاة من ملابسها، تقوم إحدى السيدتين بإدخال الفتاة من الفتحة الأولى، فتتلقاها الأخرى وتعطيها سكراً أو تمراً أو كاكاوية (فول سوداني) ثم تضربها على ظهرها ضرباً خفيفاً، وتقول لها جملة محددة شديدة الدلالة: «أنتي حيط والراجل خيط» ثم تعيدها إلى السيدة الأخرى من الفتحة الثانية التي تعيدها بدورها من الفتحة الأولى، وفي كل مرة تتناول شيئاً من السكر أو التمر أو الفول السوداني، وذلك سبع مرات، ثم يتم الاحتفاظ بجزء من الجرد في مكان أمين لحين موعد الزفاف، ويشترط في إجراء التصفيح عدم وجود ذكور في المنزل على الإطلاق؛ لأن ثمة اعتقاد أن وجودهم يفسد الطقس من أساسه.

          يُعتقد أنه بعد إجراء العملية، لا يستطيع أي رجل ـ مهما كانت قوته ـ عمل أي شيء للفتاة المصفحة، حيث تضعف عزيمته، وتنهار قوته الجنسية إذا حاول الاعتداء عليها، وهذا مغزى جملة «أنتي حيط والراجل خيط» بمعنى أن غشاء بكارة المرأة يصبح بقوة الحائط وسمكه، والرجل يشبه الخيط، ويستحيل أن يخترق الخيط الحائط.

          أما عن كيفية فك التصفيح فيتم بإحضار الجزء الذي تم الاحتفاظ به من الجرد في الطقس الأول، ثم يحرق ويطفأ في كأس لتشربه العروس قبل خروجها من بيت أهلها. وتقوم فكرة الفك على أساس تحريك الجني الحارس لها، وفي اليوم السابق على العرس (يوم الأربعاء غالباً)، تحمل العروس امرأة متزوجة «ويشترط ألا تكون مطلقة» ويكون وجه العروس مغطى بحيث لا يراها أحد إلا الجني الحارس، وتلف بها الحجرة سبع مرات، وبعد ذلك يؤتى بقطعة الجرد المحروقة والمذابة في الماء، تشرب العروس الماء ثم تخبط على ظهرها سبع مرات وفي كل مرة تعطى سكراً أو تمراً أو لوزاً، ويقال لها «أنت خيط والراجل حيط».أي انها ستكون في رقة الخيط مما يسهل مهمة الزوج.

          وثمة تغيير طرأ في الوقت الراهن على فك التصفيح بهذه الطريقة، حيث يتم فكه بالرقية الشرعية؛ وذلك لأن بعض رجال الدين المعاصرين يعتبرون تلك العملية إحدى الممارسات السحرية التي لا تتوافق مع التعاليم الدينية.

       وتعد طريقة التصفيح بالجرد هي الأكثر انتشاراً وذيوعاً في مجتمع البحث.ومن النادر أن تكون هناك فتاة لم تجر لها تلك العملية بصرف النظر عن مستوى أسرتها التعليمي أو الاقتصادي.

الطريقة الثانية: التصفيح بالصندوق:

          يتم تجريد الفتاة من ملابسها وتقف فوق الصندوق، ثم تصعد عليه وتنزل سبع مرات، ويمكن أن تجلس عليه فترة وجيزة، ثم يتم إغلاق الصندوق (وهو مصنوع من الخشب غالباً) إغلاقاً محكماً ويحفظ المفتاح لدى إحدى السيدات «الثقاة» التي تخفيه بدورها في مكان أمين. وبذلك تتم عملية الإغلاق والتحصين، فلا يمكن لأي شخص أن ينتهك عذرية، الفتاة إلا إذا وصل إلى مكان المفتاح وأخذه وفتح الصندوق، لكن الفتاة تظل في مأمن من أي اختراق طالما ظل المفتاح بعيداً عن متناول الأيدي.

          ويتم فك هذا النوع من التصفيح قبل موعد الزفاف بساعات، حيث يؤتى بالمفتاح من السيدة التي اؤتمنت عليه، ويتم فتح الصندوق أمام جمع من الأهل، والتخلص من المفتاح، وقد يتم إزالة الغطاء نهائياً تخوفاً من أية أعمال سحرية تتم للصندوق قد تفسد عملية الزفاف.

          وهناك بالإضافة إلى ذلك طريقة أخرى ضعيفة الانتشار، وقاربت على الانقراض وهي التصفيح بالحجامة حيث تتم حجامة الفتاة من كعبها الأيمن وركبتها اليسرى، أو كعبها الأيسر وركبتها اليمنى حجمتين في كل موضع، ثم تشم الفتاة دم الحجامة، وينبغي أن تقوم بهذه العملية إحدى السيدات الماهرات في الحجامة، ويتم فك التصفيح بالحجامة بإجراء الحجامة مرة أخرى بصورة معاكسة، بمعنى أنه إذا تمت الحجامة في الكعب الأيمن والركبة اليسرى، يفك التصفيح بالحجامة في الكعب الأيسر والركبة اليمني.

          وقد كشفت الدراسة الميدانية أن ثمة اقتناع راسخ لدى قطاع كبير من مجتمع البحث بأهمية التصفيح وجدواه، وثمة حكايات وأساطير يتم تداولها توضح فعالية ذلك الطقس. فقد ذكرت إحدى المبحوثات أن إحدى الأمهات نسيت مكان قطعة الجرد الذي تم الاحتفاظ به من عملية التصفيح الأولى، فظلت الفتاة منيعة من زوجها ولم يتمكن من فض بكارتها إلا بعد العثور على تلك القطعة من القماش، وحرقها، ووضع رمادها في كأس وشربته العروس.

          ويتضح مما سبق أن عملية التصفيح هي عملية حماية رمزية لجسد الأنثى، الهدف منه تحقيق إغلاق تام بحيث يصبح جسد الفتاة حصيناً ضد كل محاولات الاختراق من جانب الرجل. والواقع أن لهذا الطقس أشباه ونظائر في معظم المجتمعات التقليدية، مثل الثقاف في المغرب والرصد في الجزائر.

          وإذا كان طقس «التصفيح» يمثل إغلاقاً رمزياً لجسد الأنثى، فإن طقس الخفاض “الختــــان” Circumcision يمثل إغلاقاً فعلياً لذلك الجسد، وهو طقس واسع الانتشار في مجتمعات عديدة خاصة في القارة الإفريقية، تشير الإحصاءات إلى أن عملية الخفاض قد أجريت لما يزيد عن مائة وعشرين مليون امرأة في العالم، وهناك مليون أنثى معرضة للخفاض كل عام، وتمارس الخفاض مجتمعات عديدة في القارة الإفريقية والمناطق الجنوبية من الجزيرة العربية وبعض المهاجرين من هذه المناطق في استراليا وأوربا وأمريكا، ويقوم بإجــــراء الخفاض عــــــــادة ممارســـــــــون تقليـــديون محليون. (حسني عبد العظيم 2000: 154)

          وأوضحت دراسة ســابقة للباحـــــث أن الخفاض في المجتمع المصري ليس مجرد عملية طبية مجردة، وإنما هو ظاهرة معقدة تعكـــــس نظرة المجتمع إلى المرأة وتقديره لسلوكها، ورغبته في الحفاظ على عذريتها، وحمايتها، إنها تقليدا ثقافي لابد من إجرائــــــــه؛ لأنه يرتبط ببعض القيم الســـائدة في المجتمعات التقليدية كالشرف والعــــــفاف والعرض. (حــســـني عبد العظيــــــم 2000: 155- 156)

          يتضح مما سبق أن المجتمعات التقليدية تبدع أســـاليب متنوعة للحفاظ على جسد الأنثى من الانتهاك، وذلك لأن هذا الجسد يؤشر على رأس المال الرمزي للمجتمع ككل، فالفتاة التي تفرط في جسدها: «تسود وجوه أهلها، وتسود عمائمهم، وتخفض رؤوسهم إلى الحضيض، وتقصم ظهورهم وتجعلهم مضغة في الأفواه؛ لذلك قد يلجئون في كثير من الأحيان إلى قتلها؛ لغسل العار الذي لحق بهم». (ســــــامية الساعاتي 2003: 230)

3- الجسد المدنس Profane body

          أوضحت الدراســــات الأنثروبولوجية المتنوعة أن الذكور في ثقافات كثيرة يعتقدون أنهم روحياً أعلى مقاماً ومنزلة من الإناث، وأن الإناث كائنات خطرة ونجسه وضعيفة، وأنهن غير جديرات بالثقة، ونتيجة لذلك تظل الأنثى خاضعة ومستعبدة، وتقبل غالباً المبررات التي يسوغها الذكور للمحافظة على ذلك الوضع. (مــــــارفن هاريس 2006: 313)

          والحقيقة أن تلك النظرة للمرأة ككيان دنس ترتبط ارتباطاً مباشراً بالظواهر العضوية التي تكابدها كالحمل والولادة والحيض والنفاس، وقد لاحظت الأنثروبولوجية «ماري دوجلاس» Mary Douglas بعد فحصها لثقافات مختلفة أن الحيض يوحي بالموت والدنس والخوف، الخوف خصوصاً مما يمثله الحيض من توقف الخصوبة أو انتهائها، من هنا تأتي ضرورة أن تبتعد الحائض عن كل ما يمثل التكاثر أو الاختمار. (زينب المعادي 2004: 99)

       ففي قبائل «الفوري» Fore التي تقطن هضاب غينيا الجديدة يتم عزل النساء في فترة الحيض في أكواخ صغيرة خاصة، وتتولى نسوة أخريات إحضار الطعام لهن؛ وذلك اعتقاداً منهم أن زيارة المرأة الحائض لحدائقهم سوف يجلب الآفات للمحاصيل، كذلك لا ينبغي عليها أثناء فترة العزل تلك أن تعد طعاماً لزوجها، حيث يعتقد أن تناول الطعام الذي تلمسه يؤدي إلى إصابته بالوهن والضعف وأمراض الشيخوخة، إن عملية العزل تلك –كما يقرر هاريس Harris– دليل على الوضع «نصف الوحشي» للمرأة الناتج عن الوظائف الطبيعية لجسدها. (مارفن هاريس 2006: 314)

     وفي دراسة لإيفون فردييه Yvon verdier حول التقاليد التي بقيت حية في قرية «مينو» الصغيرة بمنطقة «بورجوني» الفرنسية، قدمت فيها تحليلاً للفسيولوجيا الرمزية للمرأة، ولاسيما أثناء دورتها الشهرية، فخلال هذه الأيام القليلة لا تنزل المرأة إلى القبو الذي تخزن فيه المؤن الغذائية للأسرة كاللحم المملح والمخللات والنبيذ .. الخ وذلك لأنها ستفسد الأطعمة التي تمسها بطريقة لا يمكن معالجتها، ولنفس الأسباب لا يقتل(*) الخنزير مطلقاً أثناء الفترات التي تكون فيها المرأة بتلك الحالة. إن التأثير المتلف للدم الذي ينزف منها يمتد أيضاً للمهام التي تقوم بها عادة في المنزل، فقد أعلنت امرأة لفيردييه: «أنه من المستحيل صنع الحلويات والكريمات، كما لا يمكن للمرأة أن تصنع المايونيز أو تركب البياضات النظيفة، فهذه المهام لن تستقيم». إن ثمة صلات رمزية وثيقة تنسج بين جسد المرأة وبيئتها، وتؤثر على العمليات الطبيعية أو على أعمالها المعتادة، كما لو كان للجسد الحائض القدرة على الانتشار خارج حدوده، لكي يغير أيضاً ترتيب أمور الحياة: «خلال دورتها –تلاحظ فيردييه- أن المرأة لكونها غير خصبة، فإنها تعطل كل عملية تحول تستدعي الاخصاب» (لوبروتون 1997: 82- 83)

          وقد كشفت الدراسة الميدانية أن الجسد الأنثوي –وفقاً للمعتقد الشعبي الليبي- هو جسد مدنس Profane وترتبط تلك الدناسة بدخول الأنثى مرحلة النضج والبلوغ، وما يرتبط بذلك من ظواهر عضوية كالحيض والنفاس. أما الجسد الأنثوي قبل تلك المرحلة -الطفولة- وبعدها- سن اليأس- فهو جسد طاهر نقي بريء. فكأن الدناسة مرتبطة بدم الحيض والنفاس، فالمعتقد الشعبي لا يرى ذلك عرضاً طبيعياً، وإنما يراه مصدراً للنجاسة.

          واستناداً إلى ذلك، فإن ممارسة المرأة –خاصة أثناء فترة الحيض- لأنشطة معينة، وفق المعتقد الشعبي، تؤدي إلى فسادها، ولذلك لا ينبغي للمرأة الحائض أن تمارس تلك الأنشطة، بل يجب أن تعزل تماماً عن فضاءات تلك الأنشطة.

1-   لا يجب على المرأة أن تقترب من صناعة «الرُّب» (المربى) لأنها تسبب عدم تخمرها؛ لأن وجودها يستدعي مخلوقات «جنية» -شيطانية- تفسد إتمام العملية.

2-   على المرأة ألا تجلس في «الجردينة» (الحديقة) أو حتى تمر عليها؛ لأنها ستعرض المزروعات للتلف والتدمير، إنها ستفسد كل الخضروات والفواكه التي تمر بها، وتترك الحديقة خاوية على عروشها.

3-   لا ينبغي للمرأة أن تجلب المياه من البئر؛ لأن المياه سوف تجف، أو على الأقل ستفسد حيث يمتلئ البئر «بالزغلان» أي الديدان.

4-   تمنع المرأة من حلب البقرة أو غيرها من الحيوانات؛ لأنها قد تسبب انقطاع اللبن من البقرة، ولا يجب أن تصنع القشـــدة؛ لأنها ستمنع تخترها (اختمارها وتحولها إلى زبدة).

5-   يجب ألا تحضر لحظة ختان الصبي، ولا ينبغي لها أن تنظر إلى مكان الختان، لأنها تضاعف آلام الصبي، وتؤخر شفاء مكان الختان.

6-   لا ينبغي لها أن تقترب من شعر البنات الصغيرات ، فلا تغسله، ولا تقوم بتمشيطه وتضفيره، لأنها ستؤذي الشعر وتتسبب في تساقطه.

7-   لا يجب أن تستخدم الحناء في شعرها أو في يديها أو قدميها، لأن الحـــناء في المعتقد الشعبي رمز للطهارة والنقاء، في حين أن جســد المرأة في تلك الفترة «نجساً».

          إن القراءة المتعمقة لمجموعة «المحرمات» السابقة تكشف عن وجود أفكار راسخة في الوعي الشعبي تدور حول دناسة الجسد الأنثوي، وامتداد تأثيره إلى ما يحيط به، حيث يفسد كل ما يلامسه، وله القدرة على تغيير طبائع الأشياء.

          والحقيقة أن تلك الصورة النمطية للجسد الأنثوي –كجسد نجس- لا تقتصر على المجتمع الليبي بطبيعة الحال، وإنما تنتشر في كل الثقافات التقليدية، بل إنها كانت سائدة في المجتمعات الغربية حتى القرن الثامن عشر، وبدايات القرن التاسع عشر، حيث ساد اعتقاد بأن النساء يشكلن خطراً وتهديداً للرجال في فترات الحيض. (لوبرتون 1997: 80)

          وقد حاول الباحثون تفسير تلك الأفكار المتعلقة بنجاسة الجسد الأنثوي، والبحث عن مصادرها، وكشف معظم الدراسات أن هذه الأفكار ترتد إلى تعاليم «توراتيـة» تعود بدورها إلى «ميثولوجيا» وأفكار بعض الحضارات القديمة التي عاصرها بنو إسرائيل.

          يعتقد «تيرنر» (Turner 1997: 104) أن بعض الإشكاليات المعاصرة للجسد تمثل ميراثاً للخطاب اليهودي المسيحي المتعلق بالجسد، فالمعروف أن «اللاهوت البولسي» Pauline Theology (نسبة إلى بولس الرسول) قد جعل الجسد الإنساني –وخاصة الأنثوي- رمزاً للخطيئة والشر والضعف مما أدى إلى سقوط آدم وخروجه من الجنة.

          ونتيجة لذلك يقرر «تيرنر» في موضع آخر (Turner 1992: 19) إن ميراث التعاليم الجنسية المستمد من المسيحية الكلاسيكية ينظر إلى أجساد النساء باعتبارها مصدراً للنجاسة، وبالتالي فقد أصبح «ضبط» الجسد الأنثوي Regulation جزءاً مهماً في تدريب رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى.

          والواقع أن القراءة المتأنية لبعض نصوص العهـــد القديم تكشف عن ارتباط وثيق بين النجاسة ودم الحيض باعتبار أن الحيض يمثل عقابا إلهيا للمرأة على خطيئتها الأولى : «كلم الرب موسى قائلاً إذا أحبلت المرأة وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام» «وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين كما في طمثها، ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم تطهيرها»([2]) وفي موضع آخر يقول: «إذا كانت المرأة حائضاً فسبعة أيام تكون نجسة في طمثها، وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء، وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجساً، وكل ما تجلس عليه يكون نجساً، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء، ويكون نجساً إلى المساء، وكل من مس متاعاً تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم ويكون نجساً إلى المساء»([3]).

          ومن الجدير بالذكر في هذا الإطار أن كل الأفكار المتعلقة بنجاسة المرأة في الفكر الإسلامي  قد تسربت إليه من نصوص العهد القديم ( وهي ما تعرف في الفقه الإسلامي بالإسرائيليات)، ولا أساس لها في الإسلام. فالقرآن الكريم لم يقر مطلقاً فكرة نجاسة المرأة، ويصف الحيض بأنه «أذى»([4]) أي مسألة عضوية، بها بعض الأضرار المادية لأن المرأة قد تكون عرضة في تلك الفترة لبعض الميكروبات، أما الجسد الإنساني بصفة عامة –  سواء أكان ذكراً أم أنثى – فهو وفق التصور الإسلامي جسد طاهر نقي، لأن به نفحة من روح الله تعالى([5]).

4- الجسد المنتج (القادر على الإنجاب) Productive body

          تمثل عملية إعادة الإنتاج الإنساني سمة مهمة من سمات الجسد الأنثوي، فعملية الحمل والولادة من وجهة النظر البيولوجية تعد الوظيفة الأسمى للجهاز الإنجابي للمرأة، وتمثل بالتالي مؤشراً على صحة ذلك الجسد وسلامته العضوية (Hahn 1995: 209) والواقع أن تلك العملية ليست مسألة عضوية خالصة، وإنما هي عملية اجتماعية وثقافية مركبة، فالقواعد التي تتأسس عليها تنتمي إلى مجال الإنتاج الاجتماعي والثقافي، بمعنى أن خصوبة الجسد الأنثوي تمنح المرأة مكانات وسلطات اجتماعية معينة، كما أن غياب الخصوبة يسحب من المرأة مكانتها، ويسهم في إقصائها وحرمانها من مكانات وسلطات اجتماعية متعددة. (زينب المعادي 2004: 103)

         إن الممارسات الإنجابية تمثل موقعا هاما لاختبار الآليات التي تدعم الهيمنة والقهر المستمر على النساء، فالخطاب المصاحب للأمومة يكشف الدرجة التي وصل إليها قهر الجسد الأنثوي لتدعيم دائرة السلطة الأبوية، فعلى سبيل المثال تدور أغاني وأشعار الحياة اليومية في القريـة الهندية التقليديـة حول بعض جوانب الإنجاب، كما أن شبكة العلاقات الاجتماعية للمرأة تتشكل وفقا للديناميات الاجتماعية للإنجاب، وتنخرط النساء في مختلف المراحل العمرية بفاعلية في الطقوس المرتبطة بالحمل: انتظار المولود والاشتياق له، التوافق مع خيبة الأمل الناتجة عن عدم الحمل، مساندة الأم الحزينة لفقد احد أبنائها.إن الإنجاب إذن هو أكبـــر من مجرد التناســل بالمعنى العضوي ، إنه عملية مرتبطة بالنســق الثقافي. Hegde 1999:507))

           وقد كشفت الدراسة الميدانية عن رؤية المعتقد الشعبي الليبي للجسد الأنثوي المنجب، حيث يرسم ذلك المعتقد صورة مشرقة الملامح للمرأة المنجبة في مقابل صورة شديدة القتامة والقسوة للمرأة العاقر، ويتضح ذلك في الصفات التي توصف بها المرأة العاقر، فيقال عنها إن «دارها خالية» و«المرة(المرأة) اللي ما عندهاش صغار مربطها كيف(مثل) مربط الحمار» كما توصف المرأة العاقر بأنها كالشجرة اليابسة، وغالباً ما تطلق المرأة العاقر، أو يتم الزواج عليها، وعندما يتم الزواج عليها ترثى نفسها قائلة: «تاريتك يا عين امظلمة، (مظلومة) إنتي تجيبي وداروكي عقيمة» أي أن زوجها تسرع بالزواج عليها وظلمها، ولو انتظر لربما أنجبت، لأنها تعتقد أنها ليست عقيمة، وإنما عامل الزمن هو المؤثر. بل إن الأمر يزداد قسوة عندما ينصح الزاهد في الزواج بأن يتزوج امرأة عاقراً بدلاً من الإعراض عن الزواج كلية، فيقال له: «خود(خذ) عاقر، واسكن مهاجر، وبيع حاضر بحاضر».

          أما المرأة المنجبة، فإن المعتقد الشعبي يمنحها مكانة عالية بل ويعطيها سلطات عديدة خاصة إذا أنجبت الذكور، يتضح ذلك بداية في الترحيب بها في بيت الزوجية باعتبارها سبباً في إعماره بالأولاد، تخاطب الأخت زوجة أخيها: «مرحباً بمرة خوي(زوجة أخي) … يا معمرة حوش بوي(منزل أبي)» ويقال عن المرأة المنجبة «أم الأولاد، والعزة الشداد» و«الولد خير من حفنة مال».

          ونتيجة لذلك، فإن ثمة اهتمام خاص من جانب المرأة بأن تنجب سريعاً، ويمثل تأخر الحمل مشكلة بالغة التعقيد في الثقافة التقليدية، وتلجأ المرأة لكل الوسائل الطبية –الرسمية والشعبية- من أجل حدوث الحمل، لأن تأخر الحمل يسهم في إقصاء المرأة، وتهميشها، وربما يسبب في طلاقها.

          كالمعتاد في معظم الثقافات التقليدية، يبدأ السؤال عن الحمل بعد مرور الأشهر الأولى من الزواج، ويكون الإلحاح دائماً من جانب أسرتي الزوجين وإذا مرت السنة الأولى دون حدوث الحمل، تزداد الضغوط الاجتماعية، وتضطر الزوجة إلى التماس العلاج الطبي الذي يبدأ غالباً عند الأطباء المتخصصين في العيادات الخاصة، وإذا تأخر العلاج الطبي الرسمي، تبدأ الزوجة في التماس العلاج الشعبي.

          يتم اللجوء إلى الطب الشعبي  نتيجة الاعتقاد أن سبب تأخر الحمل هو «وجود عمل سحري» تم للزوج أو الزوجة أو كليهما قبيل الزواج، أو بعده لإفساد الحياة الزوجية، فثمة اعتقاد راسخ لدى مجتمع البحث في تأثير السحر والعين الشريرة على العلاقة الزوجية، ويتم اللجوء عادة إلى بعض المعالجين الشعبيين كالمعالجين بالأعشاب، والمعالجين بالقرآن أو الذهاب إلى ما يسمون «نسـاء البركة» وهن السيدات الطاعنات في السن المعروف عنهن التقوى والصـــلاح، كما قد يتم اللجوء إلى بعض الأولياء.

          وتعرف في مجتمع البحث بعض الوصفات الشعبية التي تعمل على الإسراع في الإنجاب، من ذلك استعمال عشبتي «أم الجلاجل» و«أم الحصان» حيث يتم طحنهما جيداً وأخذ ملعقة من المسحوق وتوضع في العصيدة أو العسل الأبيض أو رب التمر وتؤكل كل صباح لمدة أربعين يوماً. وهناك وصفة أخرى وهي أن تتناول المرأة سبع حبات من حبوب البحر وهي نوع من الأحجار البحرية مع مسحوق من عشبة «الخيطة» وهي عشبة تنبت قي الصحراء. أما من تريد أن تنجب ذكراً فتنصح بأخذ شيئاً من طعام (خبزا أو تمر أو حليب) من أربعين بيتاً شريطة أن يكون في هذا البيت «ذكراً» اسمه «محمد» وتتناول هذا الطعام على مدار أربعين يوماً.

          وعندما يتم الحمل، فإن الفرح به لا حد له، فقد استطاعت المرأة الخروج من دائرة «العقم» الخبيثة، وما يتضمن ذلك من وصم، كما أنها ستحظى بتقدير واسع من جانب الجماعة القرابية، بالإضافة إلى أن زواجها سيدعم ويزداد رسوخاً وثباتاً.

          ونظراً للأهمية الكبرى للخصوبة، فإن المرأة الحامل تلاقي اهتماماً ورعاية خاصة من كل المحيطين بها، فيتم إعفاؤها من معظم الأنشطة اليومية، وتمنع من رفع الأشياء الثقيلة، والوقوف في المطبخ فترات طويلة، كما تعفى من زيارات الأقارب والأصدقاء، عدا الأهل المقربين، وتلاقي رعاية صحية جيدة ودورية، وتنصح الحامل ببعض الوصايا من أجل المحافظة على الحمل وسلامته، حيث تنصح بالنظر إلى الأشياء الجميلة وخاصة الأطفال حتى يأتي المولود جميلاً، وبعدم النظر إلى الأشياء القبيحة والمفزعة كالقطة السوداء والكلب الأسود والأفراد المشوهين أو المعاقين، كما تمنع من زيارة الأقارب المعروفين بالعين الحاسدة، خاصة السيدات العقيمات، وتمنع كذلك من زيارة المقابـر وحضور المآتم.

          وبالإضافة إلى ذلك يتم تلبية كل رغبات الحامل، وهو ما يعرف شعبياً «بالوحم»(*) وما يرتبط بذلك من معتقدات متنوعة، فيعتقد أولاً أن الوحم يختلف باختلاف الجنين، فإذا كان الجنين ذكراً، فإن المرأة تتوحم على الحمضيات، والحار من الطعام (كالفلفل والشطة) أما إذا كانت أنثى فإنها تتوحم على الحلويات والفواكه، وقد تتوحم المرأة على أشياء لا تؤكل أصلاً، وثمة اعتقاد راسخ أنه لو لم يتم تلبية رغبة الحامل، فإن ما تشتهيه سيظهر على جسد المولود القادم، فإذا اشتهت قطعة لحم أو شيئاً من الخضروات والفاكهة ولم تلبى وحكت جلدها في ذلك الوقت، فسوف تظهر تلك الوحمة على جسد الطفل في نفس المكان الذي حكّت فيه جلدها. وتروى في هذا الصدد حكايات واساطير متعددة تكشف التأثير السيئ لعدم تلبية رغبات الحامل (ظهور ثمرة خوخ أو قطعة لحم أو قطعة كبيرة أو ثمرة تفاح أو جزء من ثمرة البطيخ … الخ على جسد الطفل).

          إن الاهتمام برعاية الحامل وتلبية رغباتها، لا يعني – في أغلب الأحيان- اهتماماً بالمرأة في ذاتها ككائن اجتماعي، وإنما يعكس رؤية المجتمع للمرأة كجسد منتج يساهم في إعادة إنتاج النوع الإنساني، ويسهم من ثم في تقوية البنية الاجتماعية والقرابية، وتدعيم البنى الاقتصادية داخل المجتمع.

          ويمتد الاهتمام بالمرأة ويزداد في لحظة الولادة، وهي لحظة فارقة في مسيرة الجسد الأنثوي، حيث أن الولادة هي الخطوة الأساسية للزوجة لكي تعزز مكانتها الاجتماعية، إنها تشكل الخط الفاصل بين مرحلتين في حياتها، بل خطاً فاصلاً بين مكانتين، كأننا أمام عملية تبادلية تمنح فيه المرأة جسدها وقدرتها الإنجابية لصالح الجماعة، لكي تتلقى منها اعترافاً اجتماعياً، كأن المرأة ذاتها تعيش ولادة جديدة، ولادة اجتماعية تمنحها مكانة جديدة، خاصة إذا كان المولود ذكراً. (زينب المعادي 63- 64)

          يتجلى الاهتمام بالمرأة في لحظة الولادة في تقديم الطعام لها، وهو طعام بمواصفات خاصة جيدة، لكي يعوض الأم عن معاناتها أثناء المخاض(*)، طعام يجب أن يكون مليئاً بكل العناصر المقوية والمنشطة، يقدم للوالدة أكلة شعبية تعرف «بالعصيدة» وهي عجينة مكونة من الدقيق والماء والسمن البلدي مع رب التمر، فهي غنية بالعناصر المفيدة بالإضافة إلى سهولة هضمها، بالإضافة إلى تقديم الدجاج وكبد الشاة، وحساء (الشوربة) المصنوعة من مرق الدجاج أو اللحم الضأن مضافاً إليها الطماطم والثوم والحمص والمعدنوس (البقدونس) مع قليل من الملح وبدون هريسة (شطة) كما يقدم لها شواء الكبد (كبد الشاة خاصة) وعجة الكمون والكسبرة (خليط من البيض والكمون والكسبرة) بالإضافة إلى الحلبة بالحليب.

          وتمنع عن الوالدة الأطعمة الحارة والمياه الغازية، كما يمنع عنها تناول لحم الماعز ومشتقاته، وكذلك لحم البقر ومشتقاته، وذلك خوفاً من إصابة المولود بالكساح حسب المعتقد الشعبي، كما لا يجب أن تأكل الأم الدلاع «البطيخ» وذلك خوفاً من إصابة المولود بالإسهال والجفاف.

          أما المشروب الرئيسي الذي تتناوله الوالدة فهو شراب الحلبة، حيث يعتقد أنه يزيد إدرار اللبن للمولود، ويعوض ما فقد من الدم إثناء الولادة، كما يعتقد أن الحلبة تساعد على تنظيف الرحم، هذا بالإضافة إلى جميع أنواع العصائر الطازجة والطبيعية.

       يتضح إذن مما سبق أن الجســـد القــــادر على الإنجاب يمتلك جواز عبورة وارتقاءه في الفضاء الاجتماعي، فالرحــــم – و هو العضو الذي يرمز للوجود البيـولوجي – هو نفسه شرط ارتقاء المرأة ككائن اجتماعي، إنتاج الرحم بالنسبة للمرأة هو بمثابة التوقيع الذي يذيل به أســـفل الوثيقة، والذي يمنحها مصداقية جديدة وحقيقية، فالمرأة لا تملك قيمتها ككائن إنساني بمجرد إطلالها على العالم بل إن تكّون النطفة في رحمها لولادة طفل هو الذي يجعلها تولـــد كأم « فالمرأة العربيـة تولد من رحمها كأنها تلد نفسها»(*) (المعادي: 114)

5- الجسد المقهور Suppressed body

          تعاني المرأة في معظم الثقافات التقليدية من ألوان شتى من القهر، ويتساءل كثير من الباحثين من خلال ملاحظة حياة النساء في العديد من المجتمعات، كيف خلقت تلك المجتمعات من النساء طبقة خاضعة Subordinate ومهمشة Marginalized وتعاني من التمييز، كما يتساءل الباحثون أيضاً كيف يتم إنتاج علاقات القوة والهيمنة ويعاد إنتاجها ويتم شرعنتها Legitimated (Cruz 2002: 3)

          وقد رصد علماء الأنثروبولوجيا بعض صور ذلك القهر، خاصة في المجتمعات التقليدية، ففي مجتمع «الفوري» Fore في غينيا الجديدة يستأثر الرجال بأفضل مصادر البروتين الحيواني، ويعتقد الرجال أن مصادر البروتين التي قد تزود بها النساء (كالضفادع وصغار الطرائد والحشرات) قد تؤدي إلى إصابة الرجل بالأمراض، والواقع أن هناك تأثيرات قاتلة لصور التحامل والتمييز ضد الأنثى، إذ نجد مثلاً أن معدلات وفيات الفتيات الصغيرات في غينيا الجديدة مرتفعة جداً مقارنة بالذكور، وفي بنجلاديش يحصل الطفل الذكر على تغذية جيدة وصحية، ويتناول الطعام مع أبيه أولاً، وتقدم إليه الأطعمة المتميزة مقارنة بشقيقاته، ويكون من نتائج ذلك ارتفاع معدل وفيات الإناث تحت خمس سنوات، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى 50% أعلى من الذكور. (مارفن هاريس 2006: 315)

          ويمثل العنف أحد مظاهر القهر التي يتعرض لها الجسد الأنثوي، وخاصة ما يعرف بالقهر المنزليDomestic violence وهو الانتهـــاك اللفظي والبدني الذي يمارسه الرجال ضــــد النساء اللائي تربطهن بهم علاقات حميمة، وهو نمط واســـع الانتشـــار في مختلف المجتمعات.(Lloyd & Taluc 1999 :376)   

      فقد أوضحت دراسة أجريت على عينة من ربات البيوت في احدي المناطق الفقيرة في شيكاغو أن 15% من العينة قد تعرضن للدفع والطرح على الأرض، و8.6%تعرضن للصفع ، و5.5% تعرضن للركل بالقدم واللكم باليد،و8% تعرضـــن للعنف أثناء العلاقة الجنسية. ومن ناحية أخرى قررت 36.7% من العينة أن أزواجهن أو أصدقائهن Boyfriends منعوهن من الذهاب للمدرسة أو العمل، كما قررت 6.1%أنهن تعرضن لإصــــابات استلزمت علاجا طبيا، في حين قررت 16% أن أزواجهن أو أصـدقائهن قد منعوا عنهن النقود أو أنهم استولوا على أموالهم.(Lloyd &Taluc 1999:374)

         وقد كشفت الدراسة الميدانية أن الجسد الأنثوي في مجتمع البحث يكابد أنماطاً عديدة من القهر، ويتمثل ذلك في ممارسة سلطة ذكورية صارمة تمتزج بالعنف في أحيان كثيرة داخل البيت وخارجه، وفي عزله وحجبه عن الفضاء الاجتماعي العام، بالإضافة إلى إقصائه في ظروف معينة من مجالات محددة كالتعليم والعمل.

          ففيما يتعلق بالسلطة، يلاحظ أن الجسد الأنثوي يخضع لسلطة الرجل خضوعاً تاماً منذ الطفولة المبكرة، ولا تخف حدة تلك السلطة إلا في مرحلة التقدم في السن، ففي داخل الأسرة تتمثل السلطة في الأب بشكل أساسي ثم الأخوة الذكور بصرف النظر عن مستوى تعليمهم أو أعمارهم أو مراكزهم الاجتماعية، فالأخ الأكبر هو صاحب السلطة الأقوى، وتفوق سلطته أحياناً ســــلطة الأب فيما يتعلق بمراقبة الفتاة، وضبط سلوكها، فالأخ يحدد مواعيد الزيارات، والأشخاص الذين تزورهم الفتاة، كما يضبط جدول دخولها وخرجها من المنزل، ويصاحبها في زيارات صديقاتها، ويقوم غالباً بتوصيلها إلى المدرسة أو الجامعة، ويحدد طريقة لباســها. وقد يتسم سلوك الأخ بالعنف تجاه الأنثى، واللافت للانتباه أن المبحوثات يعتقدن أن ذلك أمراً مشروعاً بل وواجيا على الأخ أو الذكور بشكل عام.

          وفيما يتعلق بعزل الجسد الأنثوي وحجبه عن الفضاء العام، فإن علاقة الأنثى بالمكان تتغير تماماً مع بدء مرحلة البلوغ إذ تخضع تحركاتها لمزيد من الرقابة والضبط، فالفتاة لا تخرج بمفردها إلا إلى الدراسة أو العمل؛ حيث توجد حافلات خاصة بالفتيات تنقلهن إلى مكان العمل أو الدراسة (إذا لم يقم أحد ذكور الأسرة بنقلهن) ثم تعيدهن إلى المنازل في نهاية الدوام الرسمي، وتمنع الأنثى في مجتمع البحث من التردد على أماكن معينة بمفردها، فهي لا تذهب إلى الأسواق التجارية إلا برفقة واحد من الأسرة، كما تمنع الفتاة في مجتمع البحث من استخدام وسائل المواصلات العامة، سواء الداخلية –داخل المنطقة- أو الخارجية المتجهة نحو طرابلس أو مصراته أو غيرهما، ودائماً تستخدم وسيلة مواصلات خاصة بالمنزل أو يتم تأجيرها.

          وثمة رقابة صارمة على زيارات الأقارب، فلا يسمح للفتاة أن تزور أقاربها بمفردها حتى وإن كانت هذه الزيارة لأختها المتزوجة، كما لا يجوز لها أن تبيت عندهم إلا في الضرورة القصوى، وغالباً ما تكون معها أمها أو إحدى أخواتها.

          والحقيقة أن الهدف الأول لكل تلك الضوابط هو الحفاظ على جسد الأنثى من أي انتهاك، حيث يبقى هاجس الحفاظ على عذرية ذلك الجسد باعتباره يمثل رأس المال الرمزي للفتاة والجماعة القرابية حاضراً طوال الوقت وفي كل المناسبات.

          ويعد التمييز ضد الجسد الأنثوي أحد أهم مظاهر القهر التي يعاني منها ذلك الجسد، والتمييز ضد المرأة هو أي نيل من إنسانيتها، أو تقييدها، أو استبعادها، أو المساس بحقوقها الشخصية والاجتماعية والنفسية، والثقافية، والسياسية، والمدنية على أساس النوع.(سامية الساعاتي 2003: 297)

          ويأخذ التمييز في مجتمع البحث صوراً متعددة منها التمييز في الطعام: «فقطعة اللحم الكبرى للذكر، والطعام الفاخر له، وفي بعض الأحيان قد لا تتناول النساء طعامهن إلا بعد أن يفرغ الذكور من تناول طعامهم، وثمة تمييز أخر في مســألة الميراث، فهناك عائلات تشتهر بحرمان المرأة من الميراث، بل وتتباهى بذلك بين العائلات، وقد دفع ذلك بعض خطباء المساجد إلى استنكار ذلك ووصمه بالجاهلية». والحقيقة أن العديد من تلك الممارسات قد أخذت في التراجع،  وخفت حدتها إلى حد كبير.

           تلك أهم ملامح صورة الجسد الأنثوي في المعتقد الشعبي، والملاحظ بشكل عام أن الأفكار والتصورات التي تشكل تلك الملامح، متجذرة في البنية الاجتماعية والثقافية، ولذا فإنها تتسم بالقوة والصلابة، ومقاومة التغيير.

       والحقيقة أن صورة الجسد الأنثوي في المعتقد الشعبي هي تعبير عن ثقافة تقليدية لا تخص المجتمع الليبي وحده، وإنما تعبر عن قيم اجتماعية سائدة في الثقافة العربية بشكل عام. فثمة منظومة قيمية عربية تحكم السلوك الاجتماعي العربي كما يوضح ذلك بعض علماء الاجتماع، إذ يرى «حليم بركات» أن هذه المنظومة القيمية نابعة من مصادر متعددة منها قيم البداوة المستمدة مباشرة من تفاعل البدو مع بيئتهم الصحراوية القاسية مثل قيم العصبية (كالتضامن ونصرة القريب، والافتخار بالنسب والثار “والشرف”) وقيم الفروسية، وقيم الضيافة، ومنها القيم المستمدة من الريف كمحبة الطبيعة و«الخصب» والجمال والثبات والصبر، والقيم العائلية كالأمومة والأبوة و«الشرف» و«العفة» و«الحشمة» و«الصبر» وهناك القيم المرتبطة بـ«فرض سيطرة الرجل على المرأة حتى إخضاعها وتجريدها من حق ملكيتها لشرفها الذي يصبح ملكاً للرجل». (حليم بركات 2001: 325- 327)


([1]) المسدة هي الأداة التي ينسج عليها الجرد أو العباءة أو السجاد، والواقع أن تلك الأداة لم تعد تستخدم في الوقت الراهن نتيجة دخول الصناعة الآلية.
(*)لا يذبح الخنزير بالطريقة المعروفة لحيوانات كالبقرة والجمل والشاة .. إلخ، وإنما يذبح بطريقة أقرب إلى القتل، حيث يغرس السكين في قلبه مباشرة؛ نظراً لصعوبة الذبح بسبب ضخامة الرقبة.
([2])العهد القديم، سفر اللاوبين، الإصحاح الثاني عشر..
([3]) العهد القديم، سفر اللاوبين، الإصحاح الثاني عشر…وأنظر كذلك الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر.
([4])جاء في سورة البقرة: «يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن» من الآية 222.
([5]) ورد في الذكر الحكيم «وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» سورة ص: الآيتان 71- 72، وجاء في سورة الحجر ]وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ[ الآيتان (28 – 29).
(*)  الوحم لغوياً هو التشهي الشديد، يقول ابن منظور كل من أفرطت شهوته في شيء قد وحم يوحم وحماً، والوحم شدة شهوة الحبلى بشيء تأكله، يقال وحمت المرأة توحم وحماً إذا اشتهت شيئاً على حبلها، ويقال امرأة وحمى، ونساء وحامى، ابن منظور، لسان العرب، مادة (وحم).
(*) ذكرنا في موضع سابق المعتقد الشعبي المتعلق بالآم الولادة وذلك في ثنايا الحديث عن الجسد الأنثوي كجسد غير مرغوب فيه، ص17. 
(*)هذه العبارة نقلتها زينب المعادي عن مالك شبل في كتابه الخيال العربي الإسلامي الصادر في عام 1993:
M. Chebel, L’imaginaire arabe- musllman, 1993.

مصدر الصورة :

 

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock