ثقافة عامة

من المعجم الورقي إلى الأطلس الالكتروني للهجاتنا العربية

ناسمي محمد – باحث في توثيق التراث الشعبي / المغرب

يسعى علماء وباحثون من تخصصات متعددة دراسة وتوثيق اللهجات العربية، لهذا تعددت الدراسات والبحوث والمعاجم التي عنيت باللهجات في الوطن العربي، لكن يبقى حضور الأطالس ضعيفا، لكون أغلب المحاولات هي إما فردية أو لم تقم على عمل مؤسساتي قوي، أو أن الذين خاضوا مغامرة وضع الأطالس تعوزهم المعرفة الجغرافية، وإن من شأن وضع أطلس للهجات العربية أن يحدث ثورة في دراساتها ويعين الباحثين الذين يشتغلون عليها من تخصصات مختلفة.

ولابد لمن يريد  وضع الأطلس أن يستفيد من معاجم العاميات العربية التي تعرف تعددا في التجارب[1]، حيث نجد معاجم عامية خاصة بكل قطر من الأقطار العربية مثل (معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات العربية لحنظل فالح، معجم ألفاظ اللهجة الكويتية لليلى سبعان، قاموس اللهجة العامية في السودان لقاسم عون شرف،….)، ومعاجم أخرى اقتصرت على منطقة أو قبيلة ما مثل (معجم لهجات قبائل جبالة بالشمال المغربي بني عروس نموذجا، معجم اللغة العامية البغدادية للبغدادي جلال الحنفي…)، في حين حاولت معاجم أخرى التخصص في ميدان من ميادين التراث الشعبي مثل (المعجم البحري والملاحي لحسن أميلي، معجم فرج للعامية المصرية والتعبيرات الشعبية للصناع والحرفيين…)، أو العمل على إرجاع الدارج من الكلام العامي إلى أصله العربي مثل (معجم إرجاع الدارج في المغرب لأحمد بن حمد الصبيحي، قاموس رد العامي إلى الفصيح لرضى الشيخ أحمد…)، هذه المعاجم إنكب على وضعها متخصصون من حقول معرفية متعددة كاللسانيات والتاريخ والدراسات الفولكلورية…، بل حتى من صحفيين مثل تجربة معجم العامية الدزيرية بلسان جزائري مبين الذي وضعه الصحفي مهدي براشد،  ولا ننسى أيضا دور المستشرقين في وضع معاجم عامية عربية كأمثال المستشرق الفرنسي جورج كولان  Georges Collin الذي وضع معجم للهجة المغربية هو le Dictionnaire Collin D’arabe Dialectal marocain، هذه المعاجم يمكن أن تُكون قاعدة بيانات إلكترونية عبر تخزين المادة المعجمية بطريقة نموذجية، والتي ستعتبر فيما بعد مادة اشتغال واضعي الأطالس وخاصة الأطالس الالكترونية التفاعلية، عبر ربط قواعد البيانات بالخرائط، وهذا النوع من الأطالس “يعطي للمستخدم خاصية التفاعل… إبتداءا من أدنى صور التفاعل إلى التفاعل الأكثر تعقيدا، وبعبارة أخرى مع قاعدة البيانات”[2] مع دمج وسائط متعددة تسهل مثلا عملية النطق السليم لكل كلمة مثل التسجيلات الصوتية، وستوفر الأطالس الالكترونية عدة خاصيات أهمها: سهولة الوصول إلى المعلومات عبر الولوج إلى الأنترنت أو عبر برامج حاسوبية[3]، تحيين المعطيات بكل سهولة، سهولة معرفة نطق الكلمات، انخفاض إنتاج تكلفة هذا النوع من الأطالس…، وقد ساهم أيضا ارتباط الأطالس الالكترونية بوظائف نظم المعلومات الجغرافية GIS (Geographic Information Systems)، إلى تحول الخرائط بالأطلس من وسيلة للعرض إلى أداة للتحليل، وإن من شأن وضع أطلس إلكتروني تفاعلي للهجات العربية أن يساهم في إبراز التنوع اللهجي بالوطن العربي، معرفة مجال انتشار كل لهجة أو انحسارها، “معرفة حدود الظوهر اللغوية سواء كانت صوتية أو ظوهر تتعلق باستعمال الألفاظ”[4] معرفة أشكال تفاعل كل لهجة مع بعضها البعض في إطار عملية التأثير والتأثر، تحديد دور العوامل الطبيعية والثقافية والاجتماعية والسياسية بالنسبة لكل لهجة، سهولة عقد مقارنات بين اللهجات العربية، الكشف عن تطور الذي عرفته كل لهجة عربية منذ نشأتها إلى اليوم، معرفة إحصاءات عن عدد المتكلمين بكل لهجة، إلى غيرها من الوظائف التي يمكن أن تلعبها هذه الأطالس في دراسة وتوثيق اللهجات العربية، والتي ستفيد جميع المهتمين باللهجات سواء من المتخصصين ومن غير المتخصصين.


[1] – أنظر محمد ناسمي تجارب توثيق اللهجات العامية العربية، مجلة الموروث الشعبي الالكترونية / مملكة البحرين : bahrainanthropology.blogspot.com/2016/11/blog-post_83html?m=1
[2] – محمد عوض العمري، الأطالس الالكترونية: المفاهيم، والخصائص وطرق التصميم والنشر، والتطورات، والاتجاهات الحديثة، ع1، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، جدة، 2009، ص 128.
[3] – المرجع نفسه، ص 145.
[4] – جودي مردسي، اللسانيات الجغرافية وأثرها في توجيه دلالة الكلمات قرآنية، مجلة الأثر، ع 22، 215، ص 27.

مصدر الصورة :
https://www.abjjad.com/book/2493842474/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%B5%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF/2494071850/reviews

 

اظهر المزيد