كلمات

مَا العُمْرُ ما طالَتْ به الدّهُورُ، – أبو فراس الحمداني

مَا العُمْرُ ما طالَتْ به الدّهُورُ، – أبو فراس الحمداني

مَا العُمْرُ ما طالَتْ به الدّهُورُ، … العمرُ ما تمَّ بهِ السرورُ ‍

أيامُ عزي ، ونفاذِ أمري … هي التي أحسبها منْ عمري

مَا أجْوَرَ الدّهْرَ عَلى بَنِيهِ … وأغدرَ الدهرَ بمنْ يصفيهِ

لوْ شئتُ مما قدْ قللنَ جدَّا … عَدَدْتُ أيّامَ السّرُورِ عَدّا

أنعتُ يوماً ، مرَّ لي بـ ” الشامِ ” ، … ألذَّ ما مرَّ منَ الأيامِ

دَعَوْتُ بِالصَّقّارِ، ذاتَ يَوْمِ، … عندَ انتباهي ، سحراً من نومي

قلتُ لهُ : اخترْ سبعة ً كباراً … كُلٌّ نَجِيبٌ يَرِدُ الغُبَارَا

يَكُونُ لِلأرْنَبِ مِنْهَا اثْنَانِ، … وخمسة ٌ تفردُ للغزلانِ

وَاجْعَلْ كِلابَ الصّيْدِ نَوْبَتَينِ … ترسلُ منها اثنينِ بعدَ اثنين

و لاَ تؤخرْ أكلبَ العراضِِ … فَهُنّ حَتْفٌ لِلظِّبَاءِ قَاضِ

ثم تقدمتُ إلى الفهادِ … وَالبَازيَارِينَ بِالاسْتِعْدَادِ

وقلتُ : إنًَّ خمسة ً لتقنعُ … وَالزُّرّقَانِ: الفَرْخُ وَالمُلَمَّعُ

و أنتَ ، يا طباخُ ، لا تباطا … عجلْ لنا اللباتِ والأوساطا

ويا شرابي البلقسياتِ … تَكُونُ بِالرّاحِ مُيَسَّرَاتِ

بِالله لا تَسْتَصْحِبُوا ثَقِيلا … واجتنبوا الكثرة َ والفضولا

ردوا فلاناً ، وخذوا فلانا … وَضَمّنُوني صَيْدَكُمْ ضَمَانَا

فاخترتُ ، لمَّـا وقفوا طويلا، … عشرينَ ، أو فويقها قليلا

عِصَابَة ٌ، أكْرِمْ بِهَا عِصَابَهْ، … معروفة ٌ بالفضلِ والنجابه

ثُمّ قَصَدْنَا صَيْدَ عَينِ قَاصِرِ … مَظِنّة َ الصّيْدِ لِكُلّ خَابِرِ

جئناهُ والشمسُ ، قبيلَ المغربِ … تَختالُ في ثَوْبِ الأصِيلِ المُذهَب

وَأخذَ الدُّرّاجُ في الصّيَاحِ، … مُكْتَنِفاً مِنْ سَائِرِ النّوَاحي

في غَفْلَة ٍ عَنّا وَفي ضَلالِ، … ونحنُ قد ْ زرناهُ بالآجالِ

يَطْرَبُ للصُّبْحِ، وَلَيسَ يَدرِي … أنَّ المنايا في طلوعِ الفجرِ

حَتى إذَا أحْسَسْتُ بِالصّبَاحِ … ناديتهمْ : ” حيَّ على الفلاحِ “

نحنُ نصلي والبزاة ُ تخرجُ … مُجَرَّدَاتٍ، وَالخُيُولُ تُسْرَجُ

فقلتُ للفهادِ : فامضِ وانفردْ … وَصِحْ بنا، إنْ عنّ ظبيٌ، وَاجتَهِدْ

فلمْ يزلْ ، غيرَ بعيدٍ عنا ، … إليهِ يمضي ما يفرُّ منا

وَسِرْتُ في صَفٍّ مِنَ الرّجالِ، … كَأنّمَا نَزْحَفُ لِلْقِتَالِ

فما استوينا كلنا حتى وقفْ … لَمّا رَآنَا مَالَ بِالأعْنَاقِ

ثمَّ أتاني عجلاً ، قالَ : ألسبقْ … فقُلتُ: إن كانَ العِيانُ قد صَدَقْ

سِرْتُ إلَيْهِ فَأرَاني جَاثِمَهْ … ظَنَنْتُهَا يَقْظَى وكَانَتْ نائِمَهْ

ثُمّ أخَذتُ نَبَلَة ً كانَتْ مَعي، … وَدُرْتُ دَوْرَيْنِ وَلَمْ أُوَسَعِ

حتى تمكنتُ ، فلمْ أخطِ الطلبْ ، … لكلِّ حتفٍ سببٌ منَ السببْ

وَضَجّتِ الكِلابُ في المَقَاوِد، … تَطْلُبُهَا وَهْيَ بِجُهْدٍ جَاهِدِ

وَصِحْتُ بِالأسْوَدِ كَالخُطّافِ … ليسَ بأبيضٍ ولا غطرافِ

ثمَّ دعوتُ القومَ : هذا بازي … فأيكم ْ ينشطُ للبرازِ ؟

فقالَ منهمْ رشأٌ : ” أنا ، أنا ” … وَلَوْ دَرَى مَا بِيَدي لأذْعَنَا

فَقُلْتُ: قَابِلْني وَرَاءَ النّهْرِ، … أنْتَ لِشَطْرٍ وَأنَا لِشَطْرِ

طارتْ لهُ دراجة ٌ فأرسلا … أحْسَنَ فِيهَا بَازُهُ وَأجمَلا

عَلَّقَهَا فَعَطْعَطُوا، وَصَاحُوا، … و الصيدُ منْ آلتهِ الصياحُ

فقلتُ : ما هذا الصياحُ والقلقْ ؟ … أكُلُّ هذا فَرَحٌ بِذا الطَّلَقْ؟

فقالَ : إنَّ الكلبَ يشوي البازا … قَد حَرَزَ الكَلْبُ، فَجُزْ، وَجَازَا

فلمْ يزلْ يزعقُ : يا مولائي … وَهْوَ كَمِثْلِ النّارِ في الحَلْفَاءِ

طارتْ ، فأرسلتُ فكانتْ سلوى … حَلّتْ بِهَا قَبْلَ العُلُوّ البَلْوَى

فَمَا رَفَعْتُ البَازَ حَتى طَارَا … آخَرُ عَوْداً يُحْسِنُ الفِرَارَا

أسودُ ، صياحٌ ، كريمٌ ، كرَّزُ ، … مُطرَّزٌ، مُكَحَّلٌ، مُلَزَّزُ

عليهِ ألوانُ منَ الثيابِ … مِنْ حُلَلِ الدّيبَاجِ وَالعُنّابي

فلمْ يزلْ يعلو وبازي يسفلُ … يحرزُ فضلَ السبقِ ليسَ يغفلُ

يَرْقُبُهُ مِنْ تَحْتِهِ بِعَيْنِهِ، … وَإنّمَا يَرْقُبُهُ لِحيْنِه

حتى إذا قاربَ ، فيما يحسبُ ، … معقلهُ ؛ والموتُ منهُ أقربُ

أرْخَى لَهُ بِنَبْجِهِ رِجْلَيْهِ، … والموتُ قدْ سابقهُ إليهِ

صِحْتُ وَصَاحَ القَوْمُ بالتّكْبيرِ، … وغيرنا يضمرُ في الصدورِ

ثمّ تَصَايَحْنَا فَطَارَتْ وَاحِدَهْ … شيطانة ٌ منْ الطيورِ ماردهْ

من قربٍ فأرسلوا إليها … وَلَمْ تَزَلْ أعْيُنُهُمْ عَلَيْهَا

فَلَمْ يُعَلِّقْ بَازُهُ وَأدّى … مِنْ بَعْدِ مَا قَارَبَهَا وَشَدّا

صحتُ : أهذا البازُ أمْ دجاجهْ ؟ … ليتَ جناحيهِ على دراجهْ

فاحمرتِ الأوجهُ والعيونُ … وَقَالَ: هَذا مَوْضِعٌ مَلْعُونُ

إنْ لزَّها البازُ أصابتْ نبجا … أوْ سقطتْ لمْ تلقَ إلاَّ مدرجا

اعدلْ بنا للنبجِ الخفيفِ … وَالمَوْضِعِ المُنْفَرِدِ المَكْشُوفِ

فقثلتُ : هذي حجة ٌ ضعيفة ْ … وغرَّة ٌ ظاهرة ٌ معروفهْ

نحنُ جميعاً في مكانٍ واحدِ ، … فَلا تُعَلِّلْ بِالكَلامِ البَارِدِ

قصَّ جناحيهِ يكنْ في الدارِ … معَ الدباسي ، ومعَ القماري

وَاعْمِدْ إلى جُلْجُلِهِ البَدِيعِ، … فاجعلهُ في عنزٍ منَ القطيعِ

حتى إذا أبْصَرْتُهُ، وَقد خَجِلْ، … قُلتُ: أرَاهُ، فارِهاً، على الحَجَلْ

دعهُ ، وهذا البازُ فاطردْ بهِ … تَفَادِياً مِنْ غَمّهِ وَعَتْبِهِ

وقلتُ للخيلِ ، التي حولينا : … تَشَاهَدُوا كُلُّكُمُ عَلَيْنَا

بِأنّهُ عَارِيَة ٌ مَضْمُونَه، … يُقِيمُ فِيهَا جَاهَهُ وَدِينَهْ

جئتُ ببازٍ حسنٍ مبهرجِ … دُونَ العُقَابِ وَفُوَيقَ الزُّمَّجِ

زينٍِ لرائيهِ ، وفوقَ الزينِ ، … يَنْظُرُ مِنْ نَارَيْنِ في غَارَيْنِ

كأنَّ فوقَ صدرهِ والهادي … آثَارَ مَشْيِ الذَّرّ في الرّمَادِ

ذِي مِنْسَرٍ فَخْمٍ وَعَيْنٍ غائِرَهْ، … وفخذٍ ملءَ اليمينِ وافرهْ

ضَخْمٍ، قَرِيبِ الدَّسْتَبَانِ جِدّا … يَلْقَى الّذِي يَحمِلُ مِنهُ كَدّا

وَرَاحة ٍ تَغْمُرُ كَفّي سَبْطَهْ … زَادَ عَلى قَدْرِ البُزَاة ِ بَسْطَهْ

سُرّ، وَقالَ: هاتِ قلتُ: مَهْلا … احلفْ على الردِّ‍”فقالَ:كلاَ

أما يميني ، فهي عندي غاليهْ … وكلمتي مثلً يميني وافيه

قُلْتُ: فَخُذْهُ هِبَة ً بِقُبْلَة … فَصَدّ عَني، وَعَلَتْهُ خَجْلَهْ

فلمْ أزلْ أمسحهُ حتى انبسطْ … وَهَشّ للصّيدِ قَلِيلاً، وَنَشَطْ

صحتُ بهِ :اركبْ ‍ فاستقلَّ عنْ يدِ … مُبادِراً أسرَعَ مِنْ قَوْلِ: قَدِ

وَضَمّ ساقَيهِ وَقَالَ: قَدْ حَصَلْ … قلتُ لهُ:”الغدرة ُ منْ شرِّ العملْ ‍”

سرتُ ، وسارَ الغادرُ العيارُ … ليسَ لطيرٍ معنا مطارُ

ثمَّ عدلنا نحونهرِ الوادي ، … وَالطّيْرُ فِيهِ عَدَدُ الجَرَادِ

أدَرْتُ شَاهِينَيْنِ في مَكَانِ … لكثرة ِ الصيدِ معَ الإمكانِ

دارا علينا دورة ً وحلقا ، … كِلاهُمَا، حَتى إذَا تَعَلّقَا

تَوَازَيَا، وَاطّرَدَا اطّرَادا، … كالفارسينِ التقيا أو كادا

ثَمّتَ شَدَّا فَأصَابَا أرْبَعَا … ثَلاثَة ً خُضْراً، وَطَيْراً أبْقَعَا

ثمَّ ذبحناها ، وخلصناهما … وَأمْكَنَ الصّيْدُ فَأرْسَلْنَاهُمَا

فَجَدّلا خَمْساً مِنَ الطّيُورِ، … فَزَادَني الرّحْمَنُ في سُرُورِي

أربعة ً منها أنيسيانِ … وَطَائِراً يُعْرَفُ بالِبَيْضَاني

خَيْلٌ نُنَاجِيهِنّ كَيْفَ شِينَا … طيعة ٌ ، ولجمها أيدينا

وهيَ إذا ما استصعبَ القيادهْ … صَرّفَهَا الجُوعُ عَلى الإرَادَهْ

… تَسَاقَطَتْ مَا بَيْنَنَا مِنَ الفَرَقْ

حتى أخذنا ما أردنا منها … ثُمّ انْصَرَفْنَا رَاغِبِينَ عَنْهَا

إلى كراكيَّ بقربِ النهرِ … عشراً نراها ، أو فويقَ العشرْ

لَمّا رآها البَازُ، من بُعْدٍ، لَصَقْ … وَحَدّدَ الطّرْفَ إلَيْهَا وَذَرَقْ

فدارَ حتى أمكنتْ ثمَّ نزلْ … فَحَطّ مِنْهَا أفْرَعاً مِثلَ الجَمَلْ

ما انحطَّ إلاَّ وأنا إليهِ … ممكناً رجليَّ منْ رجليهِ

جلستُ كيْ أشبعهُ إذا هيهْ … قد سَقطَتْ من عَن يَمينِ الرَابِيَهْ

فَشلْتُهُ أرْغَبُ في الزّيَادَة ، … وَتِلْكَ للطّرَادِ شَرُّ عَادَة

لَمْ أَجْزِهِ بِأحْسَنِ البَلاءِ، … أطَعتُ حِرْصِي، وَعَصَيْتُ دَائي

فلمْ أزلْ أختلها وتختتلْ ، … وإنما نختلها إلى أجلْ

عمدتُ منها لكبيرٍ مفردِ … يمشي بعنقٍ كالرشاءِ المحصدِ

طارَ ، وما طارَ ليأتيهِ القدرْ ، … وهلْ لما قدْ حانَ سمعٌ أوْ بصرْ ‍ ؟

حتى إذا جدلهُ كالعندلِ ، … أيقنتُ أنَّ العظمَ غيرُ الفصلِ

ذَاكَ، عَلى مَا نِلْتُ مِنهُ، أمْرُ … عثرتُ فيهِ وأقالَ الدهرُ ‍

صحتُ إلى الطباخِ : ماذا تنتظر؟ … انزِلْ عنِ المهرِ، وَهَاتِ ما حَضَرْ

جَاءَ بِأوْسَاطٍ، وَجُرْدِ تَاجِ، … منْ حجلِ الصيدِ ومنْ دراجِ

فما تنازلنا عنِ الخيولِ، … يمنعنا الحرصُ عنِ النزولِ

وَجِيءَ بِالكَأسِ وَبالشّرَابِ، … فَقُلتُ: وَفّرْهَا على أصْحابي

أشْبَعَني اليَوْمَ وَرَوّاني الفَرَحْ، … فقدْ كفاني بعضُ وسطٍ وقدحْ

ثمَّ عدلنا نطلبُ الصحراءَ ، … نَلْتَمِسُ الوُحُوشَ وَالظّبَاءَ

قَدْ صَدَرَتْ عَنْ مَنهَلٍ رَوِيِّ، … منْ غبرِ الوسميِّ والوليِّ

ليسَ بمطروقٍ ولا بكيِّ، … ومرتعٍ مقتبلٍ جنيّ

مرَّ عليهِ غدقُ السحابِ … بواكفٍ ، متصلِ الربابِ

مازالَ في خفضٍ ، وحسنِ حالِ … حَتى أصَابَتْهُ بِنَا اللّيَالي

سِرْبٌ حَمَاهُ الدّهْرُ مَا حَمَاهُ … لَمّا رَآنَا ارْتَدّ مَا أعْطَاهُ

بادرتُ بالصقارِ والفهادِ … حَتى سَبَقْنَاهُ إلى المِيعَادِ

فَجَدَّلَ الفَهْدُ الكَبِيرَ الأقْرَنَا، … شدَّ على مذبحهِ واستبطنا

وجدَّلَ الآخرُ عنزاً حائلاً … رَعَتْ حمى الغَوْرَينِ حَوْلاً كاملا

ثُمّ رَمَيْنَاهُنّ بِالصّقُورِ … فَجِئْنَهَا بِالقَدَرِ المَقْدُورِ

أفْرَدْنَ مِنها في القَرَاحِ وَاحِدَة … قدْ ثقلتْ بالخصرِ وهيَ جاهدهْ

مَرّتْ بِنَا، وَالصّقْرُ في قَذالِهَا … يُؤذِنُهَا بِسيِّءٍ مِنْ حَالِهَا

ثمَّ ثناها وأتاها الكلبُ … هما ، عليها ، والزمانُ إلبُ

فَلَمْ نَزَلْ نَصِيدُهَا وَنَصْرَعُ … حَتى تَبَقّى في القطِيعِ أرْبَعُ

ثمَّ عدلنا عدلة ً إلى الجبلْ … إلى الأراوي ، والكباشِ والحجلْ

فَلَمْ نَزَلْ بِالخَيْلِ وَالكِلابِ … نحوزها حوزاً ، إلى الغيابِ

ثمَّ انصرفنا ، والبغالُ موقرهْ ، … في لَيلَة ٍ، مثلِ الصّبَاحِ، مُسفِرَهْ

حتى أتينا رحلنا بليلِ ، … وَقَدْ سُبِقْنَا بِجِيَادِ الخَيْلِ

… حتى عددنا مئة ً وزيدا

فلمْ نَزَلْ نَقلي، وَنشِوي، وَنصُبْ، … حَتى طَلَبْنَا صَاحِياً فَلَمْ نُصِبْ

شُرْباً، كمَا عَنّ، مِنَ الزِّقَاقِ … بغيرِ ترتيبٍ ، وغيرِ ساقِ

فَلَمْ نَزَلْ سَبْعَ لَيَالٍ عَدَدا … أسعدَ مَن رَاحَ، وَأحظَى مَن غَدا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock