أسلوب الحياة

نسويات المغرب القادمات.. كيف تدرب سيدة أميركية فتيات القرى المغربية ليقُدن المستقبل؟

مريم، أمريكية تستقر في المغرب لتعلم مراهقات البلاد كيف يكنّ قائدات

عربي بوست، ترجمات

اختتمت عشرات الفتيات في قرية صغيرة في ضواحي مراكش جلسة أنشطة بعد المدرسة بالصياح قائلات: «أنا قوية، أنا ذكية، أنا قادرة». ثم أكملن صياحهن: «أنا قائدة.. أنا نسوية!».

قد لا يكون مثل هذا المشهد غريباً في الغرب. لكنَّه يعد شيئاً غريباً في هذه الدولة ذات الأغلبية المسلمة في شمال إفريقيا، خاصةً في دوار العظم، القرية الفقيرة شبه الريفية حيث تسربت الكثير من الفتيات من المدرسة عند سن البلوغ؛ ليتزوجن ويبدأن حياتهن الأسرية. وهو ما رصدته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في هذا التقرير.

مريم.. الأميركية المغتربة صاحبة المشروع

جاءت بهذه الفكرة مريم مونتاغ، التي عملت في مجال المساعدات الإنسانية من قبل وتعمل الآن مصممةً وتملك أحد الفنادق، وتصف نفسها بأنَّها «رائدةٌ مجتمعية». ابتكرت مريم برنامجاً سمّته «Project Soar« لتنفيذ هذه الفكرة الهادفة لمنح الفتيات صوتاً في المجتمع.

قالت مريم، الأميركية المغتربة التي تعيش في المغرب: «لا يمكن لأي دولة أن تتقدم وتترك خلفها 50% من سكانها وراءها. يجب أن يُدار المستقبل بأيدي الفتيات القويات. أن تستثمر في فتاة في سن المراهقة، هو استثمار في أربعين سنة أو أكثر من الإنتاجية».

يوفر مشروع Soar الدعم الأكاديمي للفتيات، وتدريبات التمكين، والتوعية الصحية، ودروساً في الرياضة والفنون. كل هذا بالمجان، لكن حتى يتمكنَّ من المشاركة يجب أن يلتزمن بالبقاء في المدرسة.

تعاني فتيات المغرب بشكل عام من ارتفاع نسبة الأمية ومن ثمّ الزواج المبكر والأمومة المبكرة

تمول مريم هذا البرنامج غير الربحي جزئياً بحصةٍ من عائدات فندق البوتيك الذي بَنَته هي وزوجها على مساحة 8 أفدنة من بساتين الزيتون في دوار العظم.

سيستفيد المشروع أيضاً من عائدات مشروع التصميم الأخير الذي أنشأته مريم، وهو خط أزياء جديد أعطته اسم Agent Girlpower. تضم المجموعة الصغيرة لبساً رياضياً وحُلياً كُتِبَ عليها جمل نسوية باللغتين العربية والإنكليزية.

وقالت إنَّها استلهمت فكرة التصميمات ثنائية اللغة من وطنها الأم.

عنصرية ترمب ألهمت المشروع!

وقالت مريم: «تبلورت الفكرة بالفعل في أعقاب الانتخابات وحظر المسلمين، وبناء السور»، مشيرةً إلى الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية عام 2016. وأضافت: «كنتُ غاضبة ومنزعجة. أردت عمل مشروع Soar ليصبح عملاً قوياً لتمكين الفتيات، بينما يقوم مشروع Agent Girlpower  مقام الواجهة النسوية الخارجية».

منذ بداية المشروع في عام 2013 في دوار العظم، توسع المشروع ليشمل 21 مكاناً في المغرب، وشاركت فيه حوالي 475 فتاة.

مريم لديها طموحات عالمية، وأعدت منهج المشروع ليكون قابلاً للتوسع، وليكون نموذجاً يمكن تكراره في الدول النامية الأخرى، وقالت إنَّها أحرزت تقدماً مؤخراً تجاه بدء أول فرع لها خارج المغرب، في أوغندا.

لكنّ الأميركيين يدعمون المشروع

يتلقى المشروع أيضاً تمويلاً من حكومة الولايات المتحدة.

وقالت ستيفاني ميلي القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في المغرب: «لقد شعرنا بالإعجاب والإلهام من الأثر الذي غيََر في حياة الأفراد والمجتمعات الذي شهِدناه في أثناء العمل مع مريم. يومياً تظهر لنا طاقتها وإبداعها وشغفها بتحسين العالم من حولنا من خلال عملها الإنساني وفي الريادة المجتمعية، ودائماً ما كان هو القوة الدافعة المغيِّرة لحيوات هؤلاء النساء الصغيرات والفتيات».

تبلغ مريم من العمر 52 عاماً، وهي ابنة لأم مولودة في إيران، وتزوجت من المهندس المعماري الأميركي كريس ريديك في زفافٍ على الطريقة الإسلامية. وانتقل الزوجان إلى الرباط عاصمة المغرب في عام 2001 لمساعدتها في عملها.

عملت مريم في المساعدات الإنسانية لمدة 25 عاماً، من بينها فترات عمل في المعهد الديمقراطي الوطني، وهي مجموعة عمل دولية غير ربحية. ومن بين القضايا التي عملت عليها تدريب النساء للترشح للانتخابات، وحقوق المساجين.

في الوقت الذي وصل فيه الزوجان إلى الرباط، كانا قد تعبا من حياة الترحال، وبدت المغرب كالمنزل والوطن.

المغرب: يوتوبيا  للغرباء

تقول مريم: «شعرتُ بالارتباط بهذه الدولة. كنت غربية بشتى الطرق، وكان هناك مستوى من الراحة. كان لها سحرٌ ثقافي، المعمار الإسلامي والتصميم الذي طالما أحببته. أحببنا الطقس والأكل وكرم الضيافة. بدا وكأنَّه مكانٌ مثالي أو يوتوبيا».

في عام 2006 اشترى الزوجان بستان زيتون مليئاً بطيور الطاووس في قرية دوار العظم،  ومن مكانه كانت تبدو جبال أطلس في الأفق. اختارا هذا المكان؛ لأنَّه قريب من المدرسة الأميركية في مراكش، حيث سيرسلان ابنهما وابنتهما الصغيرين البالغين من العمر الآن 18 سنة و16 سنة.

سبق قرارهما بالاستقرار في المغرب أية أفكار عن بناء الفندق، أو تشكيل علامة تجارية ذات نمط حياة مسؤول اجتماعياً، أو ابتكار مشاريع لتمكين الفتيات المحليات. لكن لأنَّهما كانا أجنبيين يحاولان شراء أرض زراعية منتجة، طلب منهما مجلس مدينة مراكش إقامة مشروعٍ استثماري.

كانت هذه الضرورة هي السبب في مولد Peacock Pavilions، الفندق الذي صممه زوجها وبنياه من الصفر.

بينما يبدو الفندق الآن ملاذاً رومانسياً، كان هناك الكثير من العناء الذي واجهاه طوال الطريق. سُرِقَ الزوجان مراتٍ عديدة. وركَّب المقاول كل النوافذ بالعكس. ونفدت أموالهما، وأنفقا كل مدخرات تقاعدهما، وأخذا المزيد من القروض، واستدانا من والديهما.

تقول مريم: «عند هذه النقطة قال زوجي: (أعتقد أنَّنا ارتكبنا أكبر خطأٍ في حياتنا). لكنِّي قلتُ إنَّني أستطيع تخيل الفندق». وواصلا.   

وفي نفس الوقت الذي ارتفع فيه الفندق من خندق الزيتون المغبر، انتشرت سمعة مريم كصانعة للموضة.

مشروعات متعددة.. ثم مشروع تمكين الفتيات

بدأت مريم في عام 2008 توثيق رحلتها إلى المغرب في مدونة سمّتها «My Marrakesh«، استطاعت من خلالها جذب الانتباه إليها باعتبارها خبيرة في التصميم المغربي.

أصبح Peacock Pavilions منصة انطلاق أثيرة لالتقاط الصور من أجل مجلات التصميم والموضة العالمية. وأصبح أيضاً وجهةً للاستشفاء والاسترخاء، تتكون من 8 غرف تُحجَز لمجموعاتٍ لمدة عام أو أكثر مقدماً.

وافتتحت مريم متجراً داخل الفندق يبيع السجاد والمنسوجات المغربية، وأخيراً بدأت تصميم خط الإنتاج الخاص بها للأدوات المنزلية والملابس والحُليّ.

استغرق الفندق أربع سنوات لإنهائه، وكان الزوجان مدينَين عندما افتتحاه في 2010. وتطلب الأمر سنواتٍ قليلة ليدر عليهما الدخل.

وقالت مريم: «عندما ربحنا بعض الأموال، قررنا أن نحوله إلى عملٍ ذي مسؤولية مجتمعية». ومن هنا، وُلد مشروع Soar.

بدأ كمشروعٍ مجتمعي غير رسمي يعود بالنفع على أسر القرية البالغ عددها 350 أسرة. كانت الفكرة المبدئية هي تحفيز الفتيات على البقاء في المدرسة، وبالتالي يُؤجلن الزواج والحمل. وفي مقابل التزامهن بمواصلة تعليمهن، سُمح للفتيات بالالتحاق ببرامج ما بعد المدرسة التي لم تكن موجودةً في مثل هذه القرى.

فتيات المغرب بحاجة للمشروع بالفعل

يهبط معدل تسجيل الفتيات في المدارس بنسبة 24% بعد الصف التاسع، طبقاً لأرقام البنك الدولي لعام 2015. وتقول مريم إنَّ الفتيات المتسربات يصبحن عُرضةً للزواج المبكر والأمومة المبكرة، وعادةً لا يبحثن عن وظائف. وبهذا، ستجد أنَّ النساء يشكلن حوالي 26% فقط من القوى العاملة في المغرب.

وعندما اكتشفت مريم أنَّ أكثر من نصف الفتيات في المنطقة لم ينجحن في اختبار نهاية الصف التاسع المطلوب للانتقال إلى المرحلة الثانوية، أضاف مشروع Soar دروس تقوية إلى البرنامج في مواد مثل الإنكليزية والفرنسية والرياضيات والفيزياء.

زاد هذا الدعم الأكاديمي من معدل نجاح الفتيات الملتحقات بالبرنامج إلى 73%، مقارنةً بمتوسط النجاح في الصف التاسع في منطقة مراكش، الذي وصل إلى 44% حسب إحصائيات السفارة الأميركية في المغرب.

دوار العظم هي قرية تقليدية، وترتدي الكثير من أمهات الفتيات النقاب. وطبقاً للاستبيانات التي تملأها الفتيات في البرنامج، تزوجت غالبية أمهاتهن عندما كُنَّ في سن المراهقة.

لكن بعض المغاربة قلقون

ولذا لا عجب أنَّه كان هناك تصدٍّ لبعض أهداف البرنامج.

تقول مريم: «هذا العمل مثير للجدل. أعتبره ثورةً هادئة، لكنَّه ثورة رغم هذا».

تتمنى مريم أن تدمج مشروع Soar في منهج كل المدارس المغربية العامة؛ إذ ساعد المشروع الفتيات على التعايش مع عقبةٍ كبيرة أخرى في المغرب. ففي المغرب، كما هو الحال في الكثير من الدول النامية، تبدأ الفتيات بالتغيب عن المدرسة عند سن البلوغ؛ لأنَّهن لا يستطعن تحمّل نفقة مستلزمات الدورة الشهرية.

وعلى الرغم من كونه موضوعاً حساساً للغاية، يوزع المشروع صندوق الأدوات اللازمة للدورة الشهرية، ويُعلِّم الفتيات كيفية السيطرة على الحيض.

هناك العديد من التحفظات التي يبديها المغاربة على مشروع مريم لتدريب الفتيات

وتقول مريم: «تحيط بالمسألة ثقافة من العار».  

وقالت مجموعة الفتيات (حوالي 6 فتيات) التي أجرينا معهن الحوار جميعهن إنّ البرنامج منحهن الثقة، وساعدهن في تعلم كيفية التعبير عن أنفسهن على نحوٍ أفضل، وأن يكنَّ وصيات على أنفسهن.

تقول وفاء الفقير، إحدى مديرات البرنامج، إنَّ والد إحدى الفتيات، وهي خديجة ساتور، منعَ ابنته ذات الـ15 عاماً من الانضمام في البداية. لكنَّها عادت بعد عامٍ وتوسلت إليه، قائلةً إنَّها تحتاج لهذا الأمر حقاً. وضغط أعضاء الأسرة الآخرون على الأب ورضخ في النهاية.

وتضيف وفاء أنَّ خديجة عندما جاءت للمرة الأولى تلعثمت، وجلست في الخلف في آخر الغرفة، ولم تتحدث عن نفسها أبداً. الآن هي تتواصل مع الآخرين، وفخورة بما حققته.

وتقول خديجة، التي كانت ترتدي فستاناً باللونين الأبيض والأسود، ولها شعر قصير مجعد مكشوف: «أنا الآن أفهم نفسي وأعرف نفسي أفضل من ذي قبل، وهذا سهَّل عليّ فهم الآخرين». وأضافت وهي تحبس دموعها: «معرفة نفسي كانت الفكرة الأكبر في رحلة تمكيني».

اقتراح تصحيح

اظهر المزيد