نهر الكوثر كما وصفه سيدنا محمد

تستخدم العرب كلمة الكوثر للدلالة على الشيء الكثير؛ فالنهر كثير في مائه، كثير في آنيته، كثير في لآلئه، كثير في بركته، كثير في كل شيء طيب؛ إنه عطاء خاصٌّ من ربِّ العالمين جلَّ وعلا لرسوله العظيم صلى الله عليه وسلم

نهر الكوثر كما رآه رسول الله

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ، الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. فَإِذَا طِينُهُ -أَوْ طِيبُهُ- مِسْكٌ أَذْفَرُ [1].

وروى الترمذي -بسند صحيح- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ [2].

وفي مسند أحمد بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ، فَإِذَا هُوَ نَهَرٌ يَجْرِي كَذَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ، لَيْسَ مَشقُوقًا، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى تُرْبَتِهِ، فَإِذَا مِسْكَةٌ ذَفِرَةٌ، وَإِذَا حَصَاهُ اللُّؤْلُؤُ [3].

وفي لفظ فيه اختلافات طفيفة -عند أحمد كذلك بسند صحيح- عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قرأ هذه الآية: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ، فَإِذَا هُوَ نَهَرٌ يَجْرِي، وَلَمْ يُشَقَّ شَقًّا، فَإِذَا حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى تُرْبَتِهِ، فَإِذَا مِسْكَةٌ ذَفِرَةٌ، وَإِذَا حَصَاهُ اللُّؤْلُؤُ [4].

وعند البخاري عن أنس رضي الله عنه، قال: لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ [5].

وهذا الكوثر الذي جاء في هذه الأحاديث هو الكوثر نفسه الذي جاء في سورة الكوثر؛ قال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ 1 فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ 2 إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر: 1-3]، وقد جاء التصريح بأن نهر الكوثر في الجنَّة هو المقصود في السورة في كلام عائشة رضي الله عنها؛ فقد روى البخاري عن أبي عُبَيْدَةَ، عن عائشة رضي الله عنها، قال: سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، قَالَتْ: نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم، شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ [6].

وكذا قال أنس رضي الله عنه، كما جاء عنه في سنن الترمذي -بسند صحيح- في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: هُوَ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ . قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رَأَيْتُ نَهْرًا فِي الجَنَّةِ حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ. قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللهُ [7].

هذا هو نهر الكوثر

لقد أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفًا دقيقًا للنهر، إلى الدرجة التي نشعر فيها أننا نكاد نراه؛ بل نكاد نشعر بطعمه ورائحته

إنه نهر يجري على سطح أرض الجنة، دون أن يكون له مجرى عميق فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ . وقال: لَيْسَ مَشقُوقًا . وفي رواية: فَإِذَا هُوَ نَهَرٌ يَجْرِي، وَلَمْ يُشَقَّ شَقًّا .

وهذا العمق الطفيف قد يكون هدفه هو إظهار أرض النهر؛ حيث إن طين أرضه المسك، وعليه اللؤلؤ والياقوت، فهذا العمق البسيط يُعطي الفرصة للاستمتاع برؤية جواهره الكريمة المنثورة في قاعه

وحافَّتا هذا النهر من الذهب، وعلى هاتين الحافتين تنتشر الأبنية الجميلة، وهي على شكل قباب عجيبة، كل قبة منها عبارة عن لؤلؤة ضخمة مُجَوَّفة، وعلى الحافتين كذلك آنية كثيرة كثيرة، عددها كعدد نجوم السماء

أما الطعم واللون والرائحة فليس كمياه الدنيا الطعم أحلى من العسل، واللون أبيض من الثلج، والرائحة رائحة المسك الأذفر

ولقد مرَّ بنا عند الحديث على زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم للسماء الدنيا؛ أعني السماء الأولى، أنه رأى هناك نهر الكوثر كذلك ولنسترجع ما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك حتى يمكن أن نربط بين الموقفين 

قال أنس بن مالك رضي الله عنه واصفًا هذا المشهد، وكان بعد رؤية النيل والفرات كما أسلفنا هناك: ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ، قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ [8].

بعض العلماء يظنُّ أن هناك خلطًا في الفهم عند أنس رضي الله عنه، أو أحد رواة الحديث، وأنه أثبت رؤية الكوثر في السماء الدنيا؛ بينما هو في الجنة؛ ولكن الواقع أن الرواية دقيقة، وليس فيها شبهة خلط.

إن هذا الوصف الذي جاء في هذه الرواية -وهي رواية الرؤيا، ورؤيا الأنبياء حقٌّ- يصف مشهدًا مخالفًا للمشاهد التي وصفتها الروايات الأخرى الواصفة لنهر الكوثر في الجنة؛ فبينما في روايات الجنة يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حول النهر بقباب اللؤلؤ نجده هنا لا يذكر شيئًا عنها البتَّة؛ بل نجزم أنها غير موجودة؛ لأنه وصف أمرًا آخر، وهو القصر، ولو كانت موجودة لذكرها لأنها أكثر انتشارًا من قصر واحد، وعلى الناحية الأخرى فإنه لم يذكر هذا القصر في روايات الجنة؛ ومع ذلك ينبغي أن نلتفت إلى أنه وصف رائحة مائه بالوصف نفسه في الموقفين: مِسْكٌ أَذْفَرُ . فهذا يعني أنه يصف النهر نفسه؛ ولكنه يصفه في محطتين مختلفتين من محطات سريانه، ومعنى هذا أن الكوثر يتفجَّر من الجنة، ويجري فيها، ثم ينزل إلى السماء الدنيا، فيجري فيها مشوارًا آخر، وهو يُشْبِه في ذلك ما وصفناه قبل ذلك لخطِّ سير النيل والفرات؛ حيث إنهما يتفجَّران من الجنة، ويجريان فيها، ثم يخرجان إلى السماء السابعة، وبعدها ينزلان إلى السماء الدنيا، ومنها إلى الأرض، غير أنه لم يُذْكَر أن الكوثر يجري في السماء السابعة.

حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولاستكمال صورة نهر الكوثر ينبغي أن نأخذ فكرة عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي سيسقي منه المؤمنين يوم القيامة، فهو ذو علاقة وثيقة بما نحن بصدد الحديث عنه.

وردت روايات كثيرة جدًّا تصف حوض رسول الله حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الهدف في هذه السطور تقصِّي صفته بالكامل؛ إنما سنورد بعض الروايات فقط لفهم العلاقة بينه وبين نهر الكوثر.

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ ، قالوا: يا رسول الله أتعرُفنا يومئذٍ قال: نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ [9].

وروى الترمذي -بإسناد صحيح- عن ثَوبان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ البَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ المتفرِّقُو الشعر رُءُوسًا، الدُّنْسُ الوسخ ثِيَابًا، الَّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ [10]، وَلاَ تُفْتَحُ لَهُمُ أَبْوَابُ السُّدَدِ [11] [12].

وروى الترمذي -بإسناد صحيح- عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله ما آنِيَةُ الحَوْضِ قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مُصْحِيَةٍ مِنْ آنِيَةِ الجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ، آخِرَ مَا عَلَيْهِ عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عُمَانَ إِلَى أَيْلَةَ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ [13].

وروى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلاَ يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا [14].

فهذه مجموعة من الأحاديث التي تصف حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها يتبيَّن لنا الشبه الكبير بين ماء الحوض، وماء الكوثر؛ وذلك في أكثر من وجه؛ فهما يتشابهان في اللون، والطعم، والرائحة، وعدد الآنية؛ مما يؤكد وجود علاقة بينهما؛ بل إننا نجد تصريحًا في إحدى الروايات عند مسلم أن نهر الكوثر والحوض شيء واحد

روى مسلم عن أنس رضي الله عنه، قال: بَيْنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءةً، ثم رفع رأسَهُ متبسِّمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ 1 فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ 2 إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر: 1-3]، ثم قال: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عز وجل، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ [15] تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ [16] الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ، إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي. فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ . زَادَ ابن حجر فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ . وَقَالَ: مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ [17].

فالنصُّ هنا واضح وصريح، فإنه صلى الله عليه وسلم عندما سُئِل عن الكوثر أجاب: إن النهر والحوض معًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عز وجل، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ.. . فهذا يعني أن نهر الكوثر هو الذي يمدُّ حوض الرسول صلى الله عليه وسلم بالماء

إذن تكون الصورة الكاملة للكوثر كالآتي: إنه نهر عظيم يتفجَّر من الفردوس -كعامة أنهار الجنة- ثم يجري في الجنة، ثم يخرج منها إلى السماء الدنيا، فيجري فيها أيضًا، ثم إذا جاء يوم القيامة نزل النهر من السماء الدنيا إلى الأرض ليمدَّ حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء

إنها رحلة مشابهة -كما ذكرنا- لرحلة النيل والفرات، غير أن النيل والفرات ينزلان إلى الأرض في حياتنا الدنيا، ويشرب الناس كلهم منهما الآن؛ بينما الكوثر سينزل يوم القيامة، ويشرب منه المؤمنون فقط، ومن الواضح في هذا التصوُّر أن مياه النيل والفرات في الجنة هي مياه طبيعية بطعم الماء الذي نعرفه؛ إلا أنها نُقِّيَت من كل شائبة أو ضرر، ولعلَّها المياه التي جاءت في قوله تعالى: {مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15]؛ فهذه أنهار رائعة الماء؛ لكنها ليست مُحَلاَّة؛ بينما ماء الكوثر له طبيعة حلوة خاصة، فهو كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ . وهذا الماء غير موجود في دنيانا الآن، ولا ينزل إلى الأرض إلا يوم القيامة.

وخاتمة هذا التحليل أن نذكر أن هناك نصًّا في صحيح مسلم يجزم أن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمَدُّ من الجنة بالماء فقد روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض قال: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلاَ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، يَشْخَبُ أي يسيل فِيهِ مِيزَابَانِ [18] مِنَ الجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ [19].

فهذا لا يصف علاقة الكوثر بالحوض فقط، إنما يذكر كيفية نزول الماء منه إلى الأرض، وهذا عن طريق الميزابين بل إن هناك روايات تصف شكل الميزابين؛ فقد روى أحمد وابن حبان -بسند صحيح واللفظ لابن حبان- عن أبي بَرْزَةَ رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى صَنْعَاءَ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، عَرْضُهُ كَطُولِهِ، فِيهَا مِزْرَابَانِ يَنْثَعِبَانِ – أي يسيلان، وفي رواية يَنْبُعَانِ [20]- مِنَ الجَنَّةِ مِنْ وَرِقٍ وَذَهَبٍ، أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، فِيهِ أَبَارِيقُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ [21]. فأحد الميزابين صُنِع من وَرِق -وهو الفضَّة- والآخر صُنِع من ذهب وسبحان الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء

وعودة إلى حبيبنا صلى الله عليه وسلم ، ورحلته في السماء كان هذا هو مشهد نهر الكوثر في الجنة، ومنه انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مشاهد أخرى لا تقلُّ عجبًا