“محمود درويش”.. تذكر الشاعر الذي ارتطم بنجمة وكتب بحبرها

“لا أحد يهين مزاجك الصافي ولا أحد يفكر في اغتيالك كم أنت منسي وحر في خيالك”. (محمود درويش) في المقهى وحدي ولست وحدي اليوم، إذ ملأت كلمات درويش نصف كأسي بينما الشمس تتوسط السماء، وغشت غلاف الكتاب أمامي على الطاولة أبيات وسطور تلح على لائح الخطرات في ذكرى ميلاده الـ 13 من مارس.

“لا لست وحدك”، يقول درويش، الذي أخذ من صفات الغيب بينما يراقب المشاة من زجاج المقهى رفقة جريدته، مغتوياً بأثر الفراشة فيه، ذلك الأثر الذي طبع قلوب محيه في أرجاء الأوطان، سواء تلك التي ينتمون لها أو يحملونها معهم حول العالم.

وبينما أراقب تفاصيل اليوم مستحضرة وجود هذا الشاعر العظيم ومن جاوره في عالم الكلمة في زمن متسارع اليوم، باغتني خاطر مؤلم، إذ أخشى أنهم فقدوا أو سقطوا من تفاصيل حياتنا، إلا أني تذكرت أنه ليس للنسيان في عالم درويش ظل قاتم، بل إسقاط لواحدة من أثمن الهبات أو الغايات في الكون الشاسع.. الحرية.

من عظيم إبداع وتجليات درويش تخجل الناس من ذكر بعضها وترك بعض، أو حتى الحديث عنه، فلا شيء يبدو كافياً لتحية عراب رفيع للحلم والحنين والوطن والأمل والأم والحب وانعتاق الفكر والروح.

بيد أن ما لا يمكن نسيانه ما يبثه إرث درويش باعتباره رمزاً لكل ما يستحق الحياة على هذه الأرض، وفي ذكرى ميلاده تعود رؤاه لتذكرنا بكل ذلك.

أحاول تذكر أن “الطريق هو الطريقة”، أننا جميعاً للطريق، كما يقول درويش: “حراً من غدي الكسور، من غيبي ومن دنياي، حراً من عبادة أمس، من فردوسي الأرضي، حراً من كناياتي ومن لغتي، وأشهد أني حر وحي حين أُنسى”.

محمد درويش، الشاعر الذي ارتطم بنجمة ولم يمت، كتب بحبرها وهزم الموت ودعاته بعمل امتزج معه كأيقونة من خيال.

هو الحر مازال بعد رحيله حاضراً كفلسطين في خاطرنا، تزاحمها دوامات الترنح المر في حياتنا اليومية في زمن ترعبنا تفاصيله وتعيث بأفكارنا، إلا أنها في النهاية باقية كالحكايات، التي نعبر فيها، كالتجلي الحر.

زر الذهاب إلى الأعلى