سيئات و معاصي لا تموت

كلنا أصحاب ذنوب ، فابن آدم بطبيعته خطاء ، كثير الزلل ، كثير الخطايا و الذنوب ، لكن هناك سيئات و معاصي لا تموت ، و ذنوب لا تنتهي بانتهاء و موت صاحبها ، إنما تبقى بعد موته و دخوله قبره ، لذلك قال أحد السلف ( من علامات سعادة المرء أن تموت ذنوبه مع موته ) ، فمن مات و دفنت معه ذنوبه فهو السعيد ، حيث لن يجري عليه وزر ذنوب قدمها بيده في حياته ، و يصل اليه عقابها بعد موته و دفنه .

و الناس بعد الموت ينقسمون الى ثلاثة أقسام

القسم الأول : و هو القسم الذي يموت فتموت معه حسناته و سيئاته ، و لا يكون له يوم القيامة إلا ما قدم .

القسم الثاني : و هو القسم الذي يموت و تبقي آثاره الحسنة ، و أعماله الطيبة في الدنيا يستفيد منه الناس ، فيصله خيرها و ثوابها حتى و هو في قبره ، مثل من يترك علماً نافعاً ، سواءاً علماً مكتوباً أو مرئياً ، أو مثل من يوقف وقفاً لله قد يستمر الى مئات السنين يصله ثوابه و خيره في قبره ، او من يبني لله مسجداً يعبده الناس فيه ، و غيرها من الحسنات و الاعمال الصالحة التي تبقى للعبد بعد موته .

القسم الثالث : و هو القسم الذي نعنيه بالسيئات التي  لا تموت ، و هو القسم الذي يقوم بنشر الفواحش و الرزائل و الذنوب ، فتبقى آثار هذه الفواحش و الذنوب بعد موته ، و قد تستمر لدهور طويلة ، و سنوات عديدة و هو مقبور في التراب ، و تضاف أعماله و سيئاته الى ميزانه ، حتى يأتي يوم القيامة بسيئات من عاش مئات أو آلاف السنين و هو لا يشعر .

يقول الله تعالى: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) [الأنبياء: 47) .

سيئات و معاصي لا تموت .
سيئات و معاصي لا تموت .

 

و قد حذر الله سبحانه و تعالى في كتابه العزيز من هذا القسم الثالث ، و من هذه الذنوب التي لا تموت ، يقول الله تعالى (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) [النحل : 25] .

و يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم ( مَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ) صحيح مسلم ، وفي رواية: ( وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ ) صحيح مسلم .

أمثلة على سيئات و معاصي لا تموت

في العصر الحديث و بسبب كثرة استخدام وسائل التكنولوجيا ، و التقدم في وسائل الإتصال ، و انتشار الفضائيات و الإنترنت ، أصبحت الذنوب و السيئات الجارية اموراً معتادة ، و قد لا يتنبه لها الكثير من المسلمين ، على الرغم من خطورتها على العبد و على آخرته ، و من أمثلة الذنوب و السيئات التي لاتموت و يستمر جريانها على العبد بعد موته ما يلي :

القنوات الفضائية

حيث أن انشاء القنوات الفضائية و التي تعرض الأفلام و العورات ، و التي تعرض الأغاني و الإختلاط ، و تنشر القيم الهدامة و الأخلاق المرزولة ، من السيئات التي لا تموت بموت صاحبها ، فتخيل أن من انشأ قناة فضائية ، و عرض فيها هذه الأفلام و المواد المخلة ، ثم مات ، تستمر السيئات و الذنوب في التراكم عليه مع كل من يشاهد هذه القنوات ، و هو في قبره تحت التراب ، و لا يقتصر الأمر على أصحاب هذه القنوات فقط بل يشمل كل من أعانهم أو خطط لهم ، أو دلهم على هذا الذنب و الفجور .

الانترنت

و الإنترنت له العديد من الفوائد التي يستطيع الإنسان من خلالها نفع المسلمين ، و تحصيل الأجر و الثواب حتى بعد الموت ، مثل نشر العلم النافع على اليويتوب ، أو نشر الكتب الدينية وتحويلها الى نسخ رقمية تبقى و يبقى أجرها بعد الموت .

لكن الإنترنت يمكن تحويله الى أداة تؤدي الى تدمير آخرة المسلم ، و تراكم الذنوب و المعاصي حتى بعد موته ، مثل نشر الموسيقى و الاغاني على الإنترنت ، أو انشاء القنوات على اليويتوب و من خلالها ينشر الأفلام و المسلسلات ، و الأغاني ، فإن هذه القنوات تبقى و يبقى أثرها بعد الموت و لسنوات طويلة .

سيئات و معاصي لا تموت .
سيئات و معاصي لا تموت .

 

و من الأمور التي تعتبر من السيئات الجارية ارشاد الناس الى المواقع الإباحية ، او نشر كيفية تخطي المواقع المحظورة ، أو إرسال رسائل الأغاني و الافلام الى الأصدقاء .

نشر الأكاذيب

من السيئات الجارية التي لا تموت بموت صاحبها ، نشر الاكاذيب و الأخبار غير الصحيحة ، و بغير تأكد و لا تثبت ، فينتشر الكذب و تبقى المسبة الى الدهر حتى بعد موت من نشرها و ساهم في انتشارها .

المألفات الضالة

من الأمور التي تؤدي الى تراكم الذنوب و السيئات على أصحابها ، نشر الكتب و المألفات الضالة التي تحتوي على عقائد فاسدة ، أو فلسفات كفرية ، أو تحتوي على بدع في الدين محدثة لا يعرف المسلمون عنها شيئاً ، فتكون هذه الكتب هي وسيلتهم في التعرف على هذه الضلالات ، و البدع ، و من الأمور التي تساعد في نشر هذه المنكرات نشرها على الإنترنت ، و تعميمها على المواقع و الصفحات المختلفة .

سيئات و معاصي لا تموت .
سيئات و معاصي لا تموت .

و هذه الأمثلة هي قليل من كثير تؤدي الى استمرار بقاء الذنوب و المعاصي حتى بعد الموت ، و فهذه السيئات التي لا تموت هي علامة على خذلان الله تعالى للعبد بعمله و سوء طويته ، فعلى المسلم ان يحرص كل الحرص قبل الإقدام على اي عمل يكون فيه هلاك دنياه و آخرته ، ثم ياتي يوم القيامة فيجد أمامه سيئات و معاصي مثل الجبال لا يعرف عنها شيئاً ، لكنها الذنوب التي جرها على نفسه بسبب أعماله في الحياة الدنيا ، ولنتدبَّر قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 19]    .